يروي الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة ((عين شمس )) وأستاذ الفكر الإسلامي عن الكيفية التي انتشر بها دين الإسلام العظيم والشبهات التي ثارت حوله من أعدائه , وكيف نفذ الاسلام بدعوته السلمية الى بلدان العالم في أوروبا وآسيا وأفريقيا وعلى أهمية السماحة التي عرف بها هذا الاسلام …يبدأ فضيلته قائلا :
(( يخطئ كثير من المستشرقين وغير المستشرقين حينما يذهبون في كتاباتهم إلى أن الإسلام قد انتشر بالسيف , وهم يحاولون إلباس دعواهم ثياب صدق وحيدة حين يربطون بين الفتوحات الإسلامية وبين نشر الإسلام , والحق أن الذين يركبون هذا المركب الخشن في محاولة الربط بين نشر الدعوة الإسلامية وامتشاق الحسام ليسوا إلا واحدا من رجلين : رجل حسن الطوية ولكنه قاصر في اطلاعه لم يأخذ من الدراسة حول الإسلام إلا قشورا دون أن ينفذ إلى اللباب , فيطلع على جمهور القراء بأفكار فجة ومعلومات خاطئة , واستنتاجات ظالمة , ورجل قرأ وفهم ووعى ما قرأ ولكنه سئ النية , شرير الطوية , يغالط نفسه ويظلم الإسلام بنسبة أمور إليه هو منها براء .
فالمعروف أن المسلمين لم يشهروا السيف لأول مرة إلا في غزوة بدر , وهم حين فعلوا ذلك لم يكونوا عادين ولاظالمين , وإنما كانوا يدافعون عن الدعوة التي أنزلها الله على رسوله ,فآمنوا بها وهاجروا في سبيلها وحاربوا حفاظا عليها , وإن المتتبع بعد ذلك للوقائع التي عرفت بالغزوات لايجد كثير عناء في أن يستنتج أن السيف الإسلامي قد شهر فيه دفاعا عن الدين الجديد , وذودا عن حياض المسلمين , وحفاظا لأرواحهم وعقيدتهم , فكانت الغزوات إما حربا ً دفاعية وإما حربا ً وقائية , والحرب الدفاعية والحرب الوقائية كلاهما سواء .
فلما استتب الإسلام في الجزيرة العربية وبدأت الفتوحات , لم تكن تهدف إلى نشر الدين بقوة السيف , وإنما كانت لأخضاع الحكام الظالمين وسلِّ عروشهم , وإنقاذ أبناء البشرية مما أوقعوه عليهم من جور , وما أحاطوهم به من ظلم وإذلال , ولذلك فإن المسلمين في فتوحاتهم لم يرغموا أحدا ً على الإسلام , ولم يقتلوا طفلا ً , أو يؤذوا امرأة , أو ينالوا شيخا بضرر . فلم تكن الفتوحات الإسلامية في واقعها لتحويل غير المسلمين إلى مسلمين , إنما كانت لتوسيع نطاق السيادة الإسلامية التي هي سيادة الله , وبسط العدالة والطمأنينة على ربوع العالمين .
· فسبيل نشر الدعوة ينحصر في أن قوة الدعوة نفسها أمضى وأقوى من قوة السيف , فالله تعالى يقول :
{ لاَ إِكْراهَ فيِ الدِين ِ }
[ سورة البقرة : أية 256 ]
ويقول : { ادْعُ إِلى َ سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوعِظَة ِ الحَسَنة ِ وجاَدِلْهُم بِالَّتي هِيَ أحْسَنُ }
[ سورة النحل : آية 125 ]
ويقول : { لِلَّذين َ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِيّـنَ ءَأَسْلَمتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَــدِ اهْتَدَواْ وَّإن تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ اْلبَلاغُ واللَّهُ بَصيرُ بِالعِبادِ }
[ سورة آل عمران : الآية 20 ]
هذا هو دستور الدعوة الإسلامية , سبيل كله سلام وحرية اختيار , لا إجبار ولا إكراه , ولذلك فمن الحقائق التاريخية المسلم بها أن المسيحيين من العرب ظلوا متمتعين بكامل حقوقهم , وأن عمر بن الخطاب لم يفرق بين تغلب المسيحية وبين المسلمين , ومعروف أيضا أن المسيحيين في الشام طلبوا نجدة الجيوش الإسلامية لكي تخلصهم من ظلم الروم , ولكي تنشر العدل بينهم , فقد كانت رسالة السماء تفرض إشاعة العدالة بين الناس أيًّا كان دينهم , وإذا كان الإسلام قد فرض الجزية عليهم فلم يكن معنى ذلك عقابا لهم , وإنما كان ثمنا لحمايتهم , وفي نفس الوقت سمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية والتمتع بكامل حقوقهم على وجه العدل والإنصاف .
وكان الحال كذلك أيضا بالنسبة للقبط في مصر , وقد لاقوا من الاضطهاد قبل الفتح الإسلامي ما جعلهم ينتظرون وصول العرب الفاتحين بفارغ الصبر , يقول السير توماس أرنولد في وصف حالهم : (( كان بعضهم يعذب ثم يلقى بهم في اليم , وتبع كثير منهم بَطريقَهم إلى المنفى لينجوا من مضطهديهم , وأخفى عدد كبير منهم عقائدهم الحقيقية وتظاهروا بقبول قرارات مجمع خلقدونية , وقد جلب الفتح الإسلامي إلى هؤلاء القبط حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان , وقد تركهم عمرو بن العاص أحرارا على أن يدفعوا الجزية , وكفل لهم الحرية في إقامة شعائرهم , وخلصهم بذلك من هذا التدخل المستمر الذي كانوا يئنون من عبئه الثقيل في ظل الحكم الروماني , ولم يضع عمرو يده على شئ من ممتلكات الكنائس , ولم يرتكب عملا من أعمال السلب والنهب , ويظهر أن حالة القبط في الأيام الأولى من حكم المسلمين كانت معتدلة , وليس هنالك شاهد من الشواهد يدل على أن ارتدادهم عن دينهم القديم ودخولهم في الاسلام على نطاق واسع كان راجعا إلى اضطهاد أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم المسلمين ))
[ الدعوة إلى الإسلام ص 123 – 124 ]
· وهكذا وجد القبط في ظل الإسلام الحرية الكاملة بعد أن قتل "الامبراطور جستنيان " من قبط الاسكندرية الأرثوذكس وحدهم مائتي ألف مواطن .
· وما يقال عن دخول مسيحيي مصر إلى الإسلام دون ضغط أو إكراه يقال عن غيرهم من سكان البلاد التي فتحها المسلمون , وها هي ذي رسالة كتبها البطريق النسطوري" يشوع ياف الثالث Isho Yabh" وبعث بها إلى المطران سمعان رئيس أساقفة فارس , يقول فيها بعد أن صور حزنه لتحول كثير من المسيحيين الفرس إلى الإسلام : (( وإن العرب الذين منحهم الله سلطان الدنيا يشاهدون ما أنتم عليه , وهم بينكم كما تعلمون حق العلم , ومع ذلك فهم لايحاربون العقيدة المسيحية , بل على العكس , يعطفون على ديننا ويكرمون قسسنا وقديسي الرب , ويجودون بالفضل على الكنائس والأديار , فلماذا اذن هجر شعبك من أهل مرو عقيدتهم من أجل هؤلاء العرب ؟ ولماذا حدث ذلك أيضا في وقت لم يرغمهم فيه العرب – كما يصرح أهل مرو أنفسهم – على ترك دينهم ؟ بل هم تعهدوا لهم أن يبقوا عليه آمنا ً مصونا ً إذا هم اقتصروا على أداء جزء من تجارتهم إليهم ))
[ توماس أرنولد ص 101 , 182 ]
· العدالة في المناصب :
والاسلام لم يحفظ على غير المسلمين عقيدتهم وحريتهم وحسب , بل إن بعض حكام المسلمين بالغوا في إكرام المسيحيين واليهود فوضعوهم في مناصب الدولة الهامة , بحيث كان منهم الوزراء والحُجّاب , سواء في الدولة العباسية في بغداد أو الدولة الفاطمية في مصر أو الخلافة الاسلامية في الأندلس .
على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد , بل إن " صلاح الدين الأيوبي " الذي خاض الحروب الصليبية لم يأخذ رعاياه من المسيحيين بجريرة القادمين الباغين من أوروبا , وإنما عاملهم برفق أكثر , وأسبغ عليهم تسامحه , وخفف عنهم الضرائب وأزال بعضها , ووضعهم في الوظائف العامة كوزراء وكتّاب وصيارفة , وظل حالهم كذلك من السعادة والرعاية والاستمتاع بحرياتهم كاملة في عهد خلفاء صلاح الدين .
· الاجبار على اعتناق الدين :
فحوادث إجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام قليلة نادرة , وهي فردية في الغالب .ولعلها في الديانات الأخرى أكثر وأعم , فشرلمان ملك فرنسا كان يفرض التعميدات المسيحية بحد السيف , وكان أولاف ملك النرويج يذبح من يرفض الدخول في الدين المسيحي من سكان فيكن Vikan ( الجزء الجنوبي من النرويج ) أو يقطع أرجلهم وأيديهم , كما وجدت جماعة متعصبة لنشر المسيحية بالقوة أسموا أنفسهم إخوان السيف Bretheren of the Sivlia.
· اعتناق المعتدون على ديار الإسلام لدينها :
فالذين ذهبوا إلى أن الإسلام قد انتشر بالسيف قوم مخطئون كل الخطأ , لأن الدين الذي يعتمد على السيف لكي ينتشر دين ضعيف , وليس الإسلام كذلك , وليس أدل على ذلك من أن المهاجمين لديار الإسلام المنتصرين على المسلمين مالبثوا أن اعتنقوه دينا وآمنوا برسالته , مع أن طبيعة الأمور تقضي أن يحولوا المسلمين إلى دينهم لاأن يتحولوا هم إلى الإسلام .
· فالســلاجقة الوثنيون الذين فتحوا بلاد ما وراء النهر وتقدموا إلى العراق العجمي وظلوا يزحفون شيئا فشيئا حتى أخضعوا أكثر الأراضي الإسلامية , هؤلاء الوثنيون الظافرون الفاتحون الغالبون ما لبث الدين الإسلامي بقوته وسلامته وسماح













