Yahoo!


 

 

 

 

 
                            دولتنا دولة إسلامية  وثورتنا ثورة شعبية

                                هلال وصليب رافعين الراية
                                  راية مصر العربية        
                  ثورة بيضا وطنية        
                  لافئوية ولاحزبية                           شعبها عايز الحرية
                                كرامة وعزة وانسانية        
                  حضارة مصر الإسلامية
                                 لا عسكرية .. ولاديكتاتورية    
                                ولا علمانية     ولا ثيوقراطية                
                كلاب أمريكا تطلع برة
                    هي اللعنة الابدية

 

 

 

 

 


 

 

 

 


 

 

 


الثورية.. قيم وقمم العدالة الاجتماعية (4/4)

نوفمبر 5th, 2011 كتبها محمد سعيد نشر في , فكر, قيم وقمم العدالة الاجتماعية

13- التكافل الاجتماعي :

لاتستقيم حياة يذهب فيها كل فرد الى الاستمتاع بحريته المطلقة الى غير حد ولامدى , يغذيها شعوره بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط , والمساواة المطلقة التي لايحدها قيد ولاشرط ؛ فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع كما يحطم الفرد ذاته . فللمجتمع مصلحة عليا لابد أن تنتهي عندها حرية الأفراد ؛ وللفرد ذاته مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته , لكي لايذهب مع غرائزه وشهواته ولذائذه الى الحد المردي ؛ ثم لكي لاتصطدم حريته بحرية الآخرين , فتقوم المنازعات التي لاتنتهي , وتستحيل الحرية جحيما ونكالا , ويقف نمو الحياة وكمالها عند حدود المصالح الفردية القريبة الآماد . وذلك كالذي حدث في ((حرية )) النظام الرأسمالي , وما صاحبه من نظريات الحرية الحيوانية للشهوات !

والاسلام يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها , والمساواة الانسانية في أدق معانيها , ولكنه لايتركها فوضى , فللمجتمع حسابه , وللانسانية اعتبارها , وللاهداف العليا للدين قيمتها . لذلك يقرر مبدأ التبعية الفردية , في مقابل الحرية الفردية , ويقرر الى جانبها التبعية الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها . وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي .والاسلام يقرر مبدأ التكافل في كل صوره وأشكاله . فهناك التكافل بين الفرد وذاته , وبين الفرد وأسرته القريبة , وبين الفرد والجماعة , وبين الأمة والأمم , وبين الجيل والأجيال المتعاقبة أيضا .

الهدف من التكافل القضاء على تضخم الثروة :*

وهناك تكافل بين الفرد وأسرته القريبة : {وبِالوَالدين إحْسانا ً . إما يَبْلُغنَّ عِندك الكِبَرَ أحدهما أو كلاهما , فلاتقل لهما أفٍ , ولاتنهرهما , وقُل لهما قولا كريما , واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وَ قُل لهما قولا كريما , واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرا } [ سورة الاسراء :23- 24 ]

{ وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [سورة الأحزاب : 6 ]

وقيمة هذا التكافل في محيط الأسرة أنه قوامها الذي يمسكها ؛ والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع , ولامفر من الاعتراف بقيمتها ؛ وهي تقوم على الميول الثابتة في الفطرة الانسانية , وعلى عواطف الرحمة والمودة , ومقتضيات الضرورة والمصلحة , كما أنها العش الذي تنشأ فيه وحوله مجموعة الآداب والأخلاق الخاصة بالجنس , وهي في صميمها آداب المجتمع الذي ارتفع عن الإباحية الحيوانية والفوضى الهمجية .

ولقد حاولت الشيوعية أن تقضي على الأسرة بحجة أنها تنمي أحاسيس الأثرة الذاتية , وحب التملك ؛ وتمنع شيوعية الثروة , وشيوعية ملكية الدولة للأفراد …ولكنها فيما يبدو قد فشلت في هذا فشلا تاما , فالشعب الروسي شعب عائلي , وللعائلة مكانها في نفسه وفي تاريخه , فوق أن الأسرة نظام بيولوجي ونفسي لانظام اجتماعي فحسب , فتخصيص امرأة لرجل أصلح بيولوجيا وأفلح لأنجاب الأطفال . وقد لوحظ أن المرأة التي يتداولها عدة رجال تعقم بعد فترة معينة أو لايصح نسلها . أما من الوجهة النفسية فمشاعر المودة والرحمة تنمو في جو الأسرة خيرا مما تنمو في أي نظام آخر …

وليست العوامل البيولوجية والنفسية وحدها , فهناك مقتضيات الضرورة والمصلحة التي تربط بين رجل وامرأة لتكوين بيت ورعاية أطفال , ثم العلاقات التي تربط بين أفراد الأسرة الواحدة , وتجعل منهم وحدة اجتماعية متعاونة في الخير والشر , متكافلة في الجهد والجزاء , جيلا بعد جيل .

ومن مظاهر التكافل العائلي في الاسلام ذلك التوارث المادي للثروة المفصل في الآيات التاليات : (( يُوصيكم الله في أولادِكُم للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين , فإن كُنَّ نِساءً فوق اثنتين فلهُنََّ ثلثا ما تَرَك , وإن كانت واحدة فلها النصف , ولأبويه لكل واحدٍ منهما السُدُس مما ترك . إن كان له ولد . فإن لم يكن له ولد , وورثه أبواه فلأمه الثلث . فإن كان له إخوةُ فلأمِّه السدس , من بعد وصية يوصي بها أو دين . آباؤكم وأبناؤكم لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعا . فريضةً من الله . إن الله كان عليما حكيما . ولكم نصف ُ ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولدٌ , فإن كان لهنَّ ولدٌ فلكم الرُبع مما تركن من بعد وصيةٍ يوصين بها أو دين , ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد , فإن كان لكم ولد فلهن الثُمُن مما تركتم . من بعد وصيةٍ توصون بها أو دين )) .

[ سورة النساء : 11-12 ]

(( يستفتونك . قُل : الله يُفتيكم في الكلالة : إن امرؤٌ هلك ليس له ولد وله أختٌ فلها نصف ماترك , وهو يرثها إن لم يكن لها ولد , فإن كانتا اثنتين فلها الثلثان مما ترك ؛ وإن كانوا إخوة ً رجالا ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين . يُبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ ٍ عليم ٌ )) .

[ سورة النساء : 176 ]

أما الوصية التي أشير إليها في الآيتين الأوليين فهي لاتتجاوز الثلث بعد وفاء الدين ولاتكون لوارث , لحديث : (( ولاوصية لوارث )) . [ رواه صاحب مصابيح السنة وقال : إنه حسن ]

إنما شرعت لتدارك بعض الحالات التي لايرث فيها من توجب الصلة العائلية أن يصله المورّث ويبره , ولتكون مجالا لإنفاق شئ من التركة في وجوه البر والخير .

هذا النظام الذي شرعه الاسلام مظهر من مظاهر التكافل بين أفراد الأسرة الواحدة , وبين الأجيال المتتابعة – فوق أنه وسيلة من وسائل تفتيت الثروة لئلا تتضخم تضخما يؤذي المجتمع أما هنا فنكتفي بالقول بأن في نظام الإرث الاسلامي عدلا بين الجهد والجزاء , وبين المغانم والمغارم في جو الأسرة . فالوالد الذي يعمل – وفي شعوره أن ثمرة جهوده لن تقف عند حياته القصيرة المحدودة , بل ستمتد لينتفع بها أبناؤه وحفدته , وهم امتداده الطبيعي في الحياة – هذا الوالد يبذل أقصى جهده , وينتج أعظم نتاجه ؛ وفي هذا مصلحة له وللدولة وللانسانية , كما أن فيه تعادلا بين الجهد الذي يبذله والجزاء الذي يلقاه . فأبناؤه جزء منه يشعر فيهم بالامتداد والحياة .

أما الأبناء فعدل أن ينتفعوا بجهود آبائهم وأمهاتهم , إذ الصلة بين الوالدين والأبناء لاتنقطع لو قطعت صلة الميراث المالي ؛ فالآباء والأمهات يورثونهم صفات واستعدادات في تكوينهم الجثماني , والعقلي ؛ وهذه الاستعدادات تلازمهم في حياتهم , وتفرض عليهم كثيرا من أوضاع مستقبلهم – إن خيرا وإن شرا – دون أن تكون لهم يد في رد هذه الوراثة أو تعديلها . ومهما جاهدت الدولة أو جاهد المجتمع فلن يهب طفلا وجها جميلا إذا ورّثه أبواه وجها قبيحا ؛ ولن يمنحه سلامة أعصاب , واعتدال مزاج , إذا ورثاه اختلالا واضطرابا ؛ ولن يعطيه عمرا طويلا وصحة موفورة , إذا ورَّثاه استعدادات للبلى السريع والمرض الملازم … فإذا كان عليه أن يرث هذا كله غير مخيَّر …

وقد ضرب القرآن مثلا للتكافل بين الآباء والأبناءفي قصة موسى – عليه السلام – مع عبدالله الصالح الذي قال الله عنه : (( فوَجدا عبْدا من عِبادنا آتيناه رحمة ً من عندنا وعلَّمناه من لدُنَّا عِلما )) .. (( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوْا أن يُضيفوهما , فوجدا فيها جدارا يُريد أن ينقضَّ فأقامه )) . وقد قال له موسى : (( لوشئتَ لأتخذت عليه أجرا )) .

[ سورة الكهف : 77 ]

مادام أهل القرية لم يطعموها . فكشف له عن السر في تقويمه للجدار فقال : (( أمَّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة , وكان تحته كَنزٌ لهما , وكان أبوهما صالحا , فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما , رحمة من ربك وما فعلته عن أمري )) .

[سورة الكهف : 82 ]

وهناك تكافل بين الفرد والجماعة , وبين الجماعة والفرد . والاسلام يبلغ في هذا التكافل حد التوحيد بين المصلحتين , وحد الجزاء والعقاب على تقصير أيهما في النهوض بتبعاته في شتى مناحي الحياة المعنوية والمادية على السواء .

فكل فرد مكلف أولا أن يحسن عمله الخاص . وإحسان العمل عبادة لله , لأن ثمرة العمل الخاص ملك للجماعة وعائدة عليها في النهاية : (( وقُل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) .

[ سورة التوبة : 105]

وكل فرد مكلف أن يرعى مصالح الجماعة كأنه حارس لها , موكل بها . والحياة سفينة في خضم , والراكبون فيها جميعا مسؤولون عن سلامتها ؛ وليس لأحد منهم أن يخرق موضعه منها باسم الحرية الفردية : (( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها , فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مرُّوا على من فوقهم , فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا ! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا , وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا )) .

[ البخاري والترمذي واللفظ للبخاري ]

وهو تصوير بديع لتشابك المصالح وتوحدها , بإزاء التفكير الفردي الذي يأخذ بظاهر المعاني النظرية …

والتعاون بين جميع الأفراد واجب لمصلحة الجماعة في حدود البِّر والمعروف : (( وتعاونوا على البِّر والتقوى , ولاتعاونوا على الإثم والعُدوان ))

[ سورة المائدة :2 ]

(( ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )) [ سورة آل عمران : 104 ]

وكل فرد مسؤول بذاته عن الأمر بالمعروف , فإن لم يفعل فهو آثم وهو معاقب بإثمه : (( خُذوه فغُلوه , ثم الجحيم صَّلوه ؛ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه . إنه كان لايؤمن بالله العظيم , ولايَحُضُّ على طعام المسكين , فليس له اليوم هاهنا حميم , ولاطعام إلا من غِسلين ؛ لايأكله إلا الخاطئون )) .

[ سورة الحاقة : 30 – 37 ]

وكل فرد مكلف أن يزيل المنكر الذي يراه : (( مَن رأى مِنكم مُنكرا فليغيِّره بيده , فمن لم يستطع فبلسانه , فمن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الايمان )) [ رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ]

والأمة كلها تؤاخذ وينالها الأذى والعقاب في الدنيا والآخرة إذا سكتت عن وقوع المنكر فيها من بعض بنيها , فهي مكلفة أن تكون قوّامة على كل فرد فيها : (( وإذا أردنا أن نُهلِك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها , فحقَّ عليها القولُ فدَّمرناها تدميرا )).

[ سورة الاسراء :16]

والأمة مسؤولة عن حماية الضعفاء فيها ؛ ورعاية مصالحهم وصيانتها , فعليها أن تقاتل عند اللزوم لحمايتهم : (( وما لَكم لاتُقاتلون في سبيل الله ِ والمُستضعفين من الرجال ِ والنساءِ والوِلدان ِ ؟ ))

[ سورة النساء : 75]

وهي مسؤولة عن فقرائها ومعوزيها أن ترزقهم بما فيه الكفاية ؛ فتتقاضى أموال الزكاة وتنفقها في مصارفها ؛ فإذا لم تكف فرضت على القادرين بقدر ما يسد عوز المحتاجين , بلاقيد ولاشرط إلا هذه الكفاية . فإذا بات فرد واحد جائعا فالأمة كلها تبيت آثمة مالم تتحاض على إطعامه : (( كلأ بل لا تُكرِمون اليتيم , ولاتحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لمًّا . وتُحبون المال حبا ًّ جَمًّا . كلأ إذا دُكَّت الأرضُ دَكًّا دَكًّا وجاء ربك والمَلَكُ صفاًّ صفًّا , وجئ يومئذٍ بِجهنم .. يومئذٍ يتذكر الانسان وأنَّى له الذِكرى , يقول يا ليتني قدَّمت لحياتي ! فيومئذٍ لا يُعَذَّب عذابه أحد ولايوُثق وثاقه أحد ))

[ سورة الفجر : 17- 26 ]

وفي الحديث(( أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى ))

[ المسند للامام أحمد بن حنبل نشر الاستاذ أحمد محمد شاكر حديث رقم 4880 ]

و (( من كان معه فضلُ ظهر فليعد به على من لا ظهر له , ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لازاد له )) [ رواه مسلم وأبو داود ]

و (( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث … وإن أربع فخامس أو سادس )) .

[ حديث متفق عليه ]

والأمة المسلمة كلها جسد واحد , يحس إحساسا واحدا , وما يصيب عضوا منه يشتكي له سائر الأعضاء . وهي صورة جميلة أخاذة يرسمها الرسول الكريم فيقول : (( مثل المؤمنين في توادهم , وتراحمهم وتعاطفهم , كمثل الجسد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ حديث متفق عليه ]

وعلى هذا الأساس وضعت الحدود في الجرائم الاجتماعية , وشددت تشديدا . لأن التعاون لايقوم إلا على أساس صيانة حياة كل فرد في دار الإسلام وماله وحرماته : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله )) [ رواه الشيخان ]

لذلك شرع القصاص في القتل والجروح جزاء وفاقا . وجعل جريمة القتل كجريمة الكفر في العقوبة : (( ومن يقتل مؤمنا مُتعَمِّدا فجزاؤه جهَّنم خالدا فيها )) [ سورة النساء : 93]

(( ولاتقتلوا النفس َ التي حرَّم الله إلا بالحق , ومن قُتِلَ مظلوما فقد جعلنا لِوليِّه سلطانا ))

[ سورة الاسراء : 33 ]

(( وكتبنا عليهم فيها أنَّ النَّفس َ بالنفسِ , والعينَ بالعينِ , والأنفَ بالأنفِ , والأذنَ بالأذنِ , والسنَّ بالسِّنِ ,والجروح قِصاصٌ ))

[ سو

المزيد


الثورية.. قيم وقمم العدالة الاجتماعية (3/4)

أكتوبر 30th, 2011 كتبها محمد سعيد نشر في , قيم وقمم العدالة الاجتماعية

· التيار المضاد للسياسة العمرية :

أن هذا النهج وذلك السلوك قد قام واستمر وبرزت معالمه ورسخ في أرض التجربة السياسية لدولة الخلافة الراشدة وسط معارضات كثيرة من أناس كثيرين … فلقد كانت هناك تطلعات قوية تريد أن يصبح أمير المؤمنين قدوة في العيش الهني والانفاق السخي والحياة الباذخة , كي يحل للآخرين هذا النمط من أنماط الحياة دون لوم أو عتاب , خصوصا وأن الخيرات قد زادت , والأموال قد وفرت , والفتوحات قد غمرت العاصمة بكنوز ما كان ليحلم بها العرب الأولون !..

كان تيار التطلعات قويا , وحملة هذه الرغبات كثيرون وكان رفض عمر شديدا , وصموده عنيدا ..!..

(1) فهذا تحرك جماعي يمثله وفد من جماعة المسلمين يسعى الى منزل عمر يطلبون منه أن ينفق بسخاء , ويوسع على الآخرين في الإنفاق لأن المال كثير .. ولكنهم يهابون الحديث إلى عمر فيما جاءوا من أجله فيتحدثون إلى ابنته حفصة فيقولون : (( أبى عمر إلا الشدة على نفسه وحصرا , وقد بسط الله في الرزق , فليبسط في هذا الفئ فيما شاء الله , وهو في حل من جماعة المسلمين ! )) .

ولقد مالت حفصة إلى رأيهم .. أي أن هذه التطلعات قد وجدت لنفسها موقعا في بيت عمر , وعند من ؟ عند حفصة , إحدى زوجات الرسول – عليه الصلاة والسلام - ! .. ولكن عمر يصد هذا التيار في قوة إنسانية محلقة .. في قوة القديسين , بل نقول : في قوة أمير المؤمنين ؟! .. ويعتب على حفصة , بل يعنفها , فيقول : (( يا حفصة بنت عمر ! نصحت قومك وغششت أباك ! .. إنما حق أهلي في نفسي ومالي , أما في ديني وأمانتي فلا ؟!

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 199

.. أبلغيهم عني : إن رسول الله قدر فوضع الفضول – ( زيادات الأموال وفوائضها ) – في مواضعها , وتبلغ بالتزجية – ( استعان بما يكفيه ) – وإني قدرت .. فوالله لأضعن الفضول في مواضعها , وأتبلغن بالتزجية !ّ!.. ))

· تاريخ الطبري ج3 ص 617.

(2) وهذا عم الرسول – عليه الصلاة والسلام – العباس بن عبدالمطلب – رضي الله عنه – يتحدث إلى عمر طالبا منه العدول عن عيشه الخشن , وإقامة الولائم الطيبة والمآكل اللينة , ودعوة الصحابة إليها , يأكلون ويتحدثون ! .. فيرفض عمر , ويحدِّث العباس عن أن الرسول وأبا بكر قد عملا عملا وسلكا طريقا .. وإني إن عملت بغير عملها سُلِك بي طريق غير طريقهما )) !

* طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 207.

وهذا عبدالله بن عمر ابن الخطاب يحاول اختراق حصن التقشف عند أبيه , فيحدثه عن أن هذا التقشف قد أصاب ابنته بالهزال !.. ولكن عمر يحسم الأمر , وينهي إليه أن تلك مسئوليته هو , وليست مسئولية بيت مال المسلمين !

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 198 .

وابن آخر من أبناء عمر , هو عاصم .. استشعر عمر منه الركون إلى عطاء أبيه ونفقاته التي ينفقها من مال المسلمين فنهاه عمر عن ذلك الركون , وقال له : يكفيك أني قد أنفقت عليك شهرا .. فاذهب واستعن بمال لي , بعه وشارك أحدا من تجار قومك في تجارته , واكسب ما تنفقه على نفسك وأهلك .. وإياك أن تمد بصرك فتطمع في شئ من مال المسلمين (( فما كان هذا المال يحل لي قبل أن ألية – ( قبل خلافتي ) – إلا بحقه .. وهو الآن أشد حرمة عليّ , لأنه قد أصبح أمانتي !! ))

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 198 .

وهذا واحد من أصهار عمر , يأتيه طامعا في عطاء من بيت مال المسلمين , فيغضب عمر , وينهره قائلا : (( أردت أن ألقى الله ملكا خائنا ! ؟ ))

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 219.

فهو إذا وضع مال الناس في غير موضعه خرج عن معنى الخلافة ونهج الإسلام وخلق الأمانة , وأصبح ملكا جبارا , بل وملكا خائنا ! ..

فيُحَدِّث الربيع بن زياد عن مكانه الحق , الذي يجب ألا يتعداه , من مال الأمة والدولة فيقول : (( .. إن مثلي وهؤلاء , مثل قوم سافروا , فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم , فقالوا : أنفق علينا , فهل يحل له أن يستأثر منها بشئ ؟ . )) .. فلما أجاب الربيع بالنفي قال عمر : (( فكذلك مثلي ومثلهم .. ))

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 201 .

وفي موطن آخر تتكرر عنده الفكرة ويتغير التمثيل فيقول : (( إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم , إن استغنيت استعففت , وإن افتقرت أكلت بالمعروف .. فإن أيسرت قضيت !! .. ولا يحل لي من هذا المال إلا ماكنت آكلا من صلب مالي !

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 197 , 198 .

والله لوددت أني خرجت منه كفافا , لاعليّ ولا لي ! ))

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 207 .

وأكثر من هذا الصمود وأروع , الحقيقة التي تلفتنا إليها عبارة عمر : (( فإن أيسرت قضيت ! )) .. فما يتقاضاه أمير المؤمنين , ليسد به حاجته , من بيت المال إنما هو نفقة علَّتها الحاجة , فإذا ما استغنى فلا حق له فيها , بل إن عليه القضاء والرد لما أخذ وأنفق لما تيسر له الغنى والاستغناء حتى بعد الانفاق ! .. فهو إذن قرض ودين قضاؤه مرهون بتحقق الوفر والقدرة على السداد والوفاء !!

ويؤكد هذه الحقيقة , ذات الدلالة الهامة , ماحدث عندما حضرت الوفاة عمر ابن الخطاب فلقد أحصى ما في ذمته لبيت المال فوجده ستة وثمانين ألف درهم , وأوصى ابنه عبدالله بوفائه من ماله فإن لم يكف فمن مال (( عدي )) – ( البطن الذي ينتسب له عمر من بطون قبيلة قريش ) – فإن لم يكف فمن مال قريش !.. قال عمر لأبنه : (( يا عبدالله , أنظر كم عليّ من الدين - فحسبه فوجده ستة وثمانين ألف درهم - .. إن وفى لها مال آل عمر فأدها عنى من أموالهم , وإن لم تف من أموالهم فاسأل فيها قريشا , ولا تَعْدُهم إلى غيرهم ! ))

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 244.

وقبل أن يُدفن عمر كان ابنه عبدالله قد أحضر هيئة ( المهاجرين الأولين ) وعددا من الأنصار , وأشهدهم على نفسه بتحمله ديْن أبيه قبل بيت مال المسلمين .. ولم تمض على دفن عمر (( جمعة حتى حمل عبدالله المال إلى الخليفة عثمان بن عفان , وأحضر الشهود على البراءة بدفع المال ! .. ))

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 260 .

والمعيار الذي يحكم إنفاق الحاكم منه هو معيار الحاجة , وما يتقرر له منه هو بمثابة الديْن يجب الوفاء به والرد له عند الغنى والاستغناء ! .

ولقد سَّن هذا الخليفة العظيم هذه السنَّة العادلة في مواجهة تيار من التطلعات قوي و عظيم , فزاد ذلك من عظمته , حتى لقد غدا عدله الاجتماعي منارة يجتذب سنا ضوئها عقول الباحثين وقلوب المستضعفين منذ عصره حتى الآن ! ..

[ نصيب الامام عليّ في المال العام وقت خلافته ]

وعلي يرفض أن يعطي أخاه ((عقيلا )) شيئا من بيت المال رغم حالة الفقر الشديد التي كان عليها , عندما أصبح صبيانه شعث الشعور غير الألوان من فقرهم , رفض علي أن يعطيه (( صاعا )) من قمح بيت المال , لأنه رأى أنه بذلك سيكون ظالما لبعض العباد وغاصبا لشئ ٍ من الحطام ؟! )) .

نهج البلاغة ص 274 .

وهو الذي رفض أن يعطي أحد شيعته – عبدالله بن زمعة – شيئا من بيت المال , وقال له : (( .. إن هذا المال ليس لي ولا لك , وإنما هو فئ المسلمين )) وإنه ثمرة لجني أيديهم وقتالهم وما تجنيه الأيدي يكون لأفواه أصحاب هذه الأيدي لا للذين لم يشاركوهم العمل والجهاد !! .

نهج البلاغة ص 279 .

وذلك .. مع ما تقدم من التصدي لملأ قريش وأغنيائها .. وعزل عمال عثمان الذين حولوا ثروة المسلمين العامة إلى (( بستان )) خاص لقريش , وجعلوا مال الناس العام (( طعمة )) خاصة لأفواه قلَّة قليلة .

ا.د / محمد عمارة – الاسلام والثورة ص 208 , 209 .

9 – نفقات الحكومة :

ولم يكن عمر وحده هو جهاز الدولة على عهد خلافته , فلقد كان هناك (( العمال )) – ( الولاة ) – على الأقاليم .. ولقد اجتهد عمر في أخذهم بهذا المنهج العادل والشديد .. فاستَّن سُنَّة إحصاء أموالهم الخاصة وقت تعيينهم في مناصبهم , ثم إحصائها وتقديرها حينا ً بعد حين , وعندما وجدها قد تضاعفت , لدى بعضهم , شاطرهم هذه الأموال , أي قاسمهم إياها مناصفة , أي أنه ترك أصل ما كانوا يملكون قبل توليهم ولاياتهم وصادر منهم كل ما زاد عليها وقت توليهم هذه الولايات ! .. وهو صنع ذلك مع صحابة أجلاّء .. بل وعزل بسبب ذلك عددا من هؤلاء الصحابة الأجلاّء , من أمثال سعد ابن أبي وقاص , وأبي هريرة – عليهم رضوان الله ..

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 203 , 221.

وكان عمر يشجع المسلمين على مراقبة ثروات الولاة , فراقبوهم .. وكتب شعراؤهم إلى عمر شعرا يشكو ويصف نمو ثروات الحكام .. فعندما (( رأى عمرو بن الصعق أموال العمال – ( الولاة ) – تكثر استنكر ذلك , وكتب إلى عمر بن الخطاب بأبيات شعر , فبعث إلى عمَّاله, وفيهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة , فشاطرهم أموالهم ! )) .

· العمل في السياسة لاتجتمع معه التجارة :

ويروي ابن سيرين قصة مصادرة عمر لنصف ثروة أبي هريرة – وكان واليا على البحرين – وتعنيفه إياه فيقول : لما قدم أبو هريرة من البحرين دار بينه وبين عمر هذا الحوار , الذي بدأه عمر بقوله :

- ياعدو الله وعدو كتابه , أسرقت مال الله ؟! ..

- لست بعدو الله ولا عدو كتابه , ولكني عدو من عاداهما ولم أسرق مال الله ! ..

- فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف درهم ؟! ..

- خيلي تناسلت , وعطائي تلاحق , وسهامي تلاحقت ! ..

ولكن عمر رفض منطق أبي هريرة , وصادر المال .. وبعبارة ابن سيرين : (( فقبضها منه )) – أى العشرة آلاف درهم – وحزن أبو هريرة , ولكنه لم يستطع أن يصنع شيئا . اللهم إلا كما قال : (( فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين ؟! )) .. ولكنه رفض أن يتولى الإمارة في عهد عمر ولما سأله عمر :

- ألا تعمل ؟ - ( أي ألا تتولى العمل : الولاية ) ؟ - .. قال :

- لا .. أخشى ثلاثا , أن يُضرب ظهري , ويُشتم عرضي , ويُنتزع مالي !! ..

· ( الأموال ) ص 381 , 382.

أي أنه رفض الولاية , لمصادرة المال , ولأفتقاد ما نسميه في عصرنا بالحافز المادي ! .. ولكن عمر أهمل أمر توليته , لأنه رفض منطقه من الأساس ! ..

ولقد كان وراء موقف عمر هذا من تنمية الولاة والحكام لثرواتهم أثناء توليهم مناصبهم قاعدة إدارية واقتصادية واجتماعية حددها وطبَّقها , ومنع بها اشتغال هؤلاء الحكام بجمع الثروة وتنميتها طالما كانوا حكاما يستطيعون تحصيل الميزات والأمتيازات .. فمال الأمة العام تتولاه الدولة .. ولكن الفرق كبير والبون شاسع بين ملكية الدولة العامة والملكية الخاصة للولاة والحكام .. وقصة عمر مع الوالي (( عتبة بن أبي سفيان )) شاهدٌ على هذا الذي نقول – فلقد تولى عتبة حكم

(( كنانة )) فاشتغل بالتجارة فيها وهو وال عليها , ثم رجع إلى المدينة بثروته التي حصَّلها , فسأله عمر :

- ما هذا يا عتبة ؟! ..

- ما خرجت به معي , تاجرت فيه ! ..

- ومالك تخرج المال معك في هذا الوجه ؟! ..

ثم أمر بمصادرته (( فصيَّره في بيت المال )) !

واشتهرت تلك القصة يومئذٍ .. بل لقد ظلت حية في الأذهان حتى بعد وفاة عمر , ووفاة عتبة , فعندما تولى عثمان بن عفان وهو أموي مثل عتبة بن أبي سفيان , عرض على أبي سفيان , أن يرد إليه ماصادره عمر من ابنه قائلا : (( إن طلبت ما أخذه عمر من عتبة رددته عليك ! .. ))

· تاريخ الطبري ج4 ص 220.

فلقد كان لعثمان – رحمه الله – في الأموال نهج خالف فيه نهج عمر .. وهو القائل : إن عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله , واني أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله ! )) .

تاريخ طبري ج4 ص 226 *

10– ثورية على بن أبي طالب :

ثم إن الثوار لم يقفوا بعمليتهم الثورية عند قتل عثمان .. بل مضوا فاختاروا علي بن أبي طالب للخلافة , وبادر علي في اليوم التالي لبيعته فأعلن في أول خطبة له التغييرات الثورية التي ألغت ما طرأ على المجتمع الإسلامي في عهد عثمان :

(1)ففي السياسة والإدارة : أعلن عزل عمال عثمان وولاته على الأمصار والأقاليم .

(2) وفي الاقتصاد الزراعي : كانت هناك الأرض التي جعلها عمر ملكا ً خالصا ً لبيت المال , ثم جاء عثمان فأقطعها لأوليائه وأعوانه وولاته وأهل بيته .. فأعلن علي رد هذه الأرض إلى ملكية الدولة وحوزة بيت المال , ورفض أن يعترف بالتغييرات التي حدثت فيها , وقال في ذلك كلماته الحاسمة : (( والله لو وجدته – ( أي المال ) – قد تزوج به النساء وملك به الإماء , لرددته .. فإن في العدل سعة , ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق ! )) .

كما أعلن أن التمايز الطبقي الذي رفع من لايستحق وخفض من لايستحق قد حان الحين لتصفيته , فقال : (( والذي بعث محمدا بالحق إنه لابد أن يعود أسفلكم أعلاكم , وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصَّروا , وليقصِّرن سباقون كانوا سبقوا )) ؟! .

· * نهج البلاغة ص 41 , 42 طبعة دار الشعب , القاهرة .

·

وفي ميدان العطاء ( المعاشات ) (3)

أعاد نظام التسوية بين الناس , فنفَّذ بذلك عزم عمر الذي لم يتمكن من تنفيذه , وعاد بالأمر إلى سنَّة النبي وأبي بكر .. وقال في هذا الصدد : (( ألا لا يقولن رجالٌ منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار , وفجروا الأنهار , وركبوا الخيول الفارهة , واتخذوا الوصائف الروقة – ( الحسان ) – فصار ذلك عليهم عارا وشنارا , وإذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه , وأصرتهم – ( قيدتهم ) – إلى حقوقهم التي يعلمون , فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون : حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا ! .. فأنتم عباد الله والمال مال الله , يُقسم بينكم بالسوية , لافضل فيه لأحد على أحد ! ))

المزيد


الثورية.. قيم وقمم العدالة الاجتماعية (2/4)

أكتوبر 23rd, 2011 كتبها محمد سعيد نشر في , فكر, قيم وقمم العدالة الاجتماعية

القدوة :-

ولقد كانت القدوة العادلة التي يقدمها الحاكم للمحكوم في ميدان العدل والمساواة , كانت ولاتزال واحدة من أروع القيم التي ورثّها لنا وللإنسانية عمر بن الخطاب – فالعدل ليس نصوصا وقوانين وصياغات نظرية تصدر عن حاكم يحيا حياة تتميز وتمتاز عن حياة أوساط الناس . لأن تخلف القدوة الطيبة المتمثلة في الحاكم , ستفقد ولاشك كل هذه النصوص ما فيها من حرارة وما بها من قيمة وما لها من معنى مفيد وجميل …

· ضرورة مساواة الحاكم بالمحكومين :

وأهمية هذه القيمة التي يقدمها لنا عدل عمر بن الخطاب تزداد أكثر وأكثر , خصوصا اذا تأمل الانسان في العديد من المجتمعات التي وإن تمايزت في النظم والصياغات الفكرية إلا أنها قد اتفقت على أمر جوهري هو أن يمتاز حكامها ويتميزون عن جماهير المحكومين .. ولم يعد هذا الامتياز أمرا يستخفي به أصحابه , بل أضحى شرعا مشروعا , تقدم لتبريره وتقريره الأسباب والأفكار التي تتحدث عن أهمية الحاكم , وتوقف شئون المحكومين على سلامته , التي غدت تعني أكثر مما تعنيه سلامة المواطن المحكوم , ومن ثم فإن مشروعية امتيازه وتميزه هي بعض الضرورات التي يقتضيها (( الصالح العام )) ! .. وهي أفكار قد قننت الواقع , وبرَّرت الأثرة الاستئثار حتى لقد غدت تلك الميزات التي تتمتع بها القلة الحاكمة في هذه النظم المختلفة سُنَّة طبيعية ومقررة من سنن الحياة !..

· ولكن عدل عمر بن الخطاب ينقض هذا الواقع السائد , وينكر ذلك الفكر الذي يبرره , عندما يؤكد على ضرورة تساوي الحاكم في القانون والاقتصاد , بجمهور المحكومين .

فعنده نجد أن نقطة البدء في قيام العدل أو اختلاله انما هي الحاكم .. ففي استقامته وعدله , أي في استقامة النظام وعدالته استقامة المحكومين وسيادة العدل في المجتمع الذي يعيشون فيه والعكس صحيح ! ..وبعبارة عمر : (( فإن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم .. والرعية مؤدية الى الإمام ما أدى الإمام الى الله . فإذا رتع الإمام رتعوا ..!))

· طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 210

فعلى الحاكم أي على نظام الحكم , تتوقف قيمة العدل , حضورا أو غيابا , في أي مجتمع من المجتمعات .. وماتلك (( المشاجب )) التي يعلِّق عليها البعض فساد المجتمع , من مثل : تغير النفوس , وفساد الأخلاق وحب الشهوات ..الخ..الخ .. إلا نتائج ومسببات وثمرات أفرزها فساد النظام الذي يسود المجتمع الذي انتشرت فيه هذه الأعراض .

ولقد سنّ عمر سُنَّة حسنة عندما جعل من موسم الحج الى بيت الله الحرام مؤتمرا سياسيا يحاسب فيه الناس ولاتهم وحكامهم بحضرة أمير المؤمنين .. فلقد كان يستدعي الولاة حتى اذا اجتمعوا أمام الناس قام خطيبا فقال : (( أيها الناس , اني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولامن أموالكم , وانما بعثتهم ليحجزوا بينكم ويقسموا فيئكم بينكم )) ( أي أن مهمة الولاة هي توفير الحد الأدنى من العدل للمحكومين : العدل في الحكم والقضاء .. والعدل في قسمة الأموال ) .. ثم استطرد عمر قائلا للناس : (( .. فمن فُعل به غير ذلك فليقم !.. ))

ثم كتب بيانا عاما وأمرا شاملا الى ولاته على الأقاليم يقول فيه : (( .. لاتضربوا الناس فتذلّوهم , ولاتحرموهم فتكفروهم ! )) فالحرمان في رأي هذا الخليفة العظيم , هو سبب شيوع الكفر – والعياذ بالله – بين الناس ! ..بل ويقرر عمر أن ظلم الحاكم يلغي عقد حكمه , ويحل الناس من طاعته (( فمن ظلمه عامله فلا امرة عليه دوني ! ))

· تاريخ الطبري ج 4 ص 203

· كيفية تحقيق العدل ؟

وحتى يكون هناك عدل حقا وحتى تكون هناك مساواة حقيقية بين الحاكم والمحكوم , فلابد وأن تتعدى الفعالية نطاق النظريات والصياغات الى الواقع والتطبيق .. بل ولابد أن يحيا الحاكم حياة المحكوم , حتى يعلم , بالحق والصدق , حقيقة هذه الحياة , وحتى تصبح طموحاته في العدل العام عميقة وصادقة وجادة لتعبيرها في ذات الوقت عن طموحاته للعدل الخاص الذي يتوق اليه هو كفرد وانسان .. وعمر يتساءل ذلك التساؤل الذي لايزال يدوي , رغم القرون : (( كيف يعنيني شأن الرعية اذا لم يمسسني ما مسَّهم ؟! … )) ويستنكر ان تكون له منزلة خاصة يعجز عن بلوغها المحكومون , ويأبى إلا أن تكون حياته اسوة بحياة سائر الناس .. (( إذا كنت في منزلة تسعني وتعجز عن الناس فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوة للناس ! … ))

· تاريخ الطبري ج 4 ص 98 , 201

(1) زهد الحاكم :

فعمر ينهى خادمه (( يسار بن نميل )) عن نخل دقيق خبزه , حتى يظل عيشه في خشونته على نحو عيش الناس .. ويقسم يسار بالله : ((ما نخلت لعمر الدقيق قط إلا وأنا له عاص ! ))

· طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 231

(2) أسرة الحاكم في العقاب وفي الثواب :

وعمر لايأخذ بذلك نفسه فقط , بل وأسرته أيضا .. بل لقد سنَّ سُنَّة تشريعية تجعل العقوبة مضاعفة اذا كان مرتكب الذنب من أسرة أمير المؤمنين ! .. وأعلن ذلك في أهله قائلا : (( .. قد سمعتم ما نهيت عنه , وإني لأعرف أن أحدا منكم يأتي شيئا مما نهيت عنه إلا ضاعفت له العذاب ضعفين ! ))

· طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 207

(3) استطلاع أحوال الفقراء :

لكن .. كيف يعرف عمر حياة الناس كي يحياها كواحد منهم وهو الحاكم الأعلى الذي يعيش في العاصمة ؟ بديهي أن بساطة المجتمع وسلوك عمر قد أعاناه على بلوغ ذلك المراد , خصوصا وأنه قد سّن سُنَّة التجوال ليلا – العسس – واستطلاع أحوال الفقراء وعامة الناس .. وسنّ سُنَّة استطلاع أحوال الآفاق في مؤتمر الحج الذي يعقده كل عام ..

لكن هذا الخليفة العظيم لم يقف عند هذه الحدود , فعزم على النزول الى أقاليم الامبراطورية وولاياتها , لدراسة واقعها على الطبيعة ومعايشة عامة المسلمين في المواطن والظروف التي فيها يعيشون , وقرر أن يخصص لمشروعه هذا عاما كاملا يعطي فيه لكل اقليم من الأقاليم الستة شهرين .. بل واعتبر هذا العام من أفضل أعوام حياته .. فخير أوقات الحاكم وأكثر الأيام بركة في نظر أمير المؤمنين تلك التي يقضيها في دراسة حال الرعية ومشاركة الناس ظروف هذه الحياة !..يقول عمر عن مشروعه هذا : (( لئن عشت , إن شاء الله , لأسيرن في الرعية حولا – عاما – فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني , أما عمَّالهم فلا يرفعونها إليَّ ! .. فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين , ثم أسير الى الجزيرة , وأقيم بها شهرين , ثم أسير الى مصر وأقيم بها شهرين , ثم أسير الى البحرين , فأقيم بها شهرين , ثم أسير الى الكوفة , فأقيم بها شهرين , ثم أسير الى البصرة , فأقيم بها شهرين .. والله لنعم الحول هذا ؟! ..))

· تاريخ الطبري ج 4 ص 201 , 202

هكذا فكَّر .. وشرَّع .. ونفَّذ – في ميدان العدل – عمر ابن الخطاب ..

ويختم الدكتور عمارة في نهايتها : إن عمر لم يُصعِّب طريق العدل على الحكام , كما قال كثيرون ..

ولكنه صعب ويصعب على الكثيرين الصدق في الحديث عن الاسلام وباسمه , طالما لم ينهجوا , في العدل , نهج هذا الخليفة العظيم , الذي كان عدله الصورة الأمينة لما دعا اليه الاسلام في هذا الميدان !….

7 – مال الأمة وحد المعيشة :

ولقد وضع عمر هذه العقيدة (( الاجتماعية – الاقتصادية )) في التطبيق , وامتلأت صفحات تاريخه بالنماذج والوقائع التي تؤكد التزامه التام والخلاق بهذا الفكر المالي الذي عبَّر عنه في تلك الكلمات ..

· فهو يقرر أن يكون لكل مواطن في الدولة حد أدنى للمعيشة .. ويستشير المسلمين في مقدار هذا الحد الأدنى .. ويجري التجارب المعاشية ليصل الى تحديد هذا المقدار .. ويروي(( الحارثة بن مضرب )) أن عمر طلب احضار مقدار من الطعام – ( جريب ) – فعجن وخبز ثم عمل (( ثريدا )) ثم دعا ثلاثين رجلا لأكله في الغداء , ثم أمر بتكرار ذلك في وجبة العشاء , فوجد هذا المقدار كافيا لهذا العدد ومن ثم تقرر لكل مواطن (( جريبان )) في الشهر حدا أدنى للطعام ! ..

· الجريب مكيال قديم مقداره أربعة أقفزة , والقفيز مكيال مقداره ثمانية مكاكيك . والجريب يطلق أيضا على مساحة الأرض التي تبذر بحب هذا المكيال . وهو يوازي 64 كيلو جراما

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 219 , 220

وحتى الأطفال الرضَّع كان لهم نصيب في بيت مال المسلمين على عهد عمر , أي نصيب في مال الأمة .. وفي البداية كان استحقاقهم له يبدأ مع بداية (( الفطام )) .. ثم أدرك عمر من تجواله بين أحياء المدينة , ومراقبته مواطن مبيت الرحَّل والمسافرين أن الأمهات المرضعات يتعجلن وقت فطام الأطفال استعجالا لنصيبهم في العطاء ففزع لما يسببه ذلك من بكاء الأطفال وضعف لبنيتهم قد تودي بحياتهم , فخطب في الناس , يلوم نفسه , وينتقد تشريعه , ويعلن عن أن استحقاق الطفل في المال يبدأ مع لحظة الميلاد .. قال : (( يا بؤسا لعمر ! كم قتل من أولاد المسلمين ؟! .. ألا لاتعجلوا صبيانكم عن الفطام , فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ! ..)) وأمر المنادي فنادى بذلك في العاصمة , وكتب به كتابا إلى الآفاق ! ..

· طبقات ابن سعد ج3 ق1 ص 217.

· أهمية العمل في فلسفة عمر :

ولقد كان(( للعمل )) في فلسفة عمر الاجتماعية مكان بارز ووزن كبير .. فالعروبة لن يغني الانتساب لها والافتخار بمجدها عن الانسان , إن لم يعمل , شيئا .. بل ان الانتساب إلى الرسول – عليه الصلاة والسلام – لن يغني عن غير العاملين شيئا .. ويقسم عمر فيقول

المزيد


الثورية.. قيم وقمم العدالة الاجتماعية (1/4)

أكتوبر 19th, 2011 كتبها محمد سعيد نشر في , فكر, قيم وقمم العدالة الاجتماعية

· أهمية عدل عمر بن الخطاب

· المساواة وعدل أبي بكر

· التفاوت في عهد عمر

· ثورية عمر بن الخطاب

· النظام الضريبي

· العدل بين الحاكم والمحكوم

· مال الأمة وحد المعيشة

· نصيب الحاكم في المال العام

· نفقات الحكومة

· ثورية علي بن أبي طالب

· شرط الخراج (الضرائب ) معلق على الإصلاح والتعمير

· سياسة جهاز جباية الضرائب

· التكافل الاجتماعي

نسترشد في موضوعنا بفحلين من فحول الفلسفة الاسلامية والفكر الاسلامي للتنظير عن النماذج واللمحات المطلوبة في صفات العدل كقيمة ومبدأ من مبادئ الاسلام التي توضح الرحابة والصدر الواسع كنماذج انسانية تتطلبها الطبائع البشرية , نذكر في موضوعنا أدبيات عربية اسلامية في المقام العام وأدبيات مصرية في المقام الخاص نرجع ونذكر من بينها ماقاله الشيخ الدكتور محمد عمارة ابن الأزهر المحقق وأستاذ الفكر الاسلامي والناقد الأدبي والمفكر الاستاذ الشهيد سيد قطب حول أهمية عدل عمر بن الخطاب الخليفة الراشد والفاروق العادل الحازم الرحيم لتنير ثقافتنا وفكرنا وما نصبو اليه في أهدافنا الثورية ؛ اذ يتساءل الدكتور عمارة لما تجتمع عليه المدارس والمذاهب الفكرية الاسلامية حول اعلاء عدالة ابن الخطاب الفاروق دون اتيان عدالة باقي الخلفاء الراشدين رغم عدلهم الصريح وأمانتهم السامية وخلقهم الرفيع المستمد من المدرسة النبوية هنا نماذج عمرية ونماذج اسلامية ثورية !!

1- أهمية عدل عمر :

يقول الدكتور عمارة : (( ويزيد هذا الأمر أهمية وتميزا أن سفينة العدل الاجتماعي , تلك التي قادها عمر بن الخطاب , قد اكتنفت مسيرتها العديد من الأعاصير والأنواء ..

فأغنياء قريش القدامى وسادة مجتمعها على عهد ماقبل الاسلام أولئك الذين دخلوا الاسلام متأخرين بعد أن لم يكن هناك مفر من الانخراط في المجتمع الجديد ..هؤلاء الأغنياء بدأت تطلعاتهم للتملك والحيازة والاستئثار تبرز في عنف زاد منه إغراء الثروة التي امتلكها المجتمع بعد الفتوحات ..

ونفر من الذين سبقوا الى الاسلام , وفقدوا في سبيل دعوته ودولته ما كان لهم من مال وثراء , لم يجدوا بأسا ولاغضاضة في أن يجتهدوا كل الاجتهاد لتكوين ثروات جديدة تفوق كثيرا ما سبق أن امتلكوا وفقدوا من ثروات ..

وآخرون من المسلمين الذين شبّوا فقراء , أو حتى رقيقا ثم أصبحوا بالاسلام والبلاء والجهاد في سبيله من أعلام المجتمع الجديد , تطلعت نفوسهم إلى حياة الدعة والغني والرفاهية التي تعوض لهم شظف العيش وعناء الجهاد في مجتمع ماقبل الغنى والفتوح ..

وكانت هذه التطلعات , المشروع منها وغير المشروع , تحديات تهدد نهج عمر بن الخطاب في العدل الاجتماعي .. بل لقد تحدث عنها عمر في العديد من المواقف – التي سيأتي حديثنا عنها في مكانها من هذا البحث – حتى لقد رآها معركة وقتالا يدور بينه , كحاكم , وبين الطامعين في موقعه , الطامحين في اختراق الحصار الذي حاصر به هذه التطلعات .. فهو يتحدث , محذرا , عن صعوبة مهمة من سيليه في حكم المسلمين – وكأنه يتنبأ بما حدث في عهد عثمان بن عفان – فيقول : (( … فليعلم من ولي هذا الأمر بعدي أنه سيريده عنه القريب والبعيد ..وأيم الله ما كنت إلا أقاتل الناس عن نفسي قتالا ؟! )) .

[ ابن سعد ( الطبقات الكبرى ) ج3 ق1 ص 206 ]

· وعدل عمر بن الخطاب , الذي تمثل في فكره وتطبيقاته التشريعية والتنفيذية وفي سلوكه , قد تميز عن عدل خلفاء آخرين حكموا فعدلوا هم أيضا , تميز باجتماع القلوب على السكينة إليه والعقول على تأييده , والتيارات الفكرية الأساسية في تاريخنا وتراثنا بالاجماع على سلامته من النقد والتجريح ..

· فأبو بكر الصديق حكم فعدل .. ولكنه قال عن مساواته بين الناس في العطاء ( المعاش ) : إنها ضرورة تحتمها قلة المال كما أن حكمه وخلافته – لاعدله – كانتا موطن نزاع … فعلي بن أبي طالب وفريق من بني هاشم ومن الصحابة قد امتنعوا عن البيعة له نحوا من ستة أشهر , أي قرابة ربع المدة التي حكم فيها .. وسعد بن عبادة , وهو من أكبر زعماء الأنصار وأعظم بناة الدولة الاسلامية , وأحد النقباء الاثني عشر الذين عقدوا مع الرسول عقد تأسيسها في بيعة العقبة .. سعد بن عبادة هذا قد امتنع عن بيعة أبي بكر , بل وعن الصلاة خلفه أو الاقتداء بلوائه في الحج , لأنه كان يريد الخلافة لنفسه وللأنصار .. ومات أبو بكر وخلاف سعد له قائم لم يحدث حوله اتفاق .

· وعثمان بن عفان بلغ اختلاف المسلمين من حول سياسته ونهجه الاجتماعي الى حد الثورة عليه , وهي الثورة التي حاصرته في منزله ومنعت عنه الزاد والماء , حتى تسوّر الثوار داره فقتلوه , رحمه الله وهو يقرأ القرآن !..

· وعلى بن أبي طالب – وهو من قمم العدل في تراثنا العربي وتاريخنا الاسلامي – انقسمت الأمة من حوله , وحاربه الأكثرون , وصمد إلى جانب الدفاع عن نهجه الأقلَّون حتى لقي ربه شهيدا !..

· أما عمر .. فإنه يتفرد – مع عدله الاجتماعي – باجتماع الأمة من حوله , والثناء الذي لقيته وتلقاه تجربته السياسية والاجتماعية من التيارات الأساسية في فكر المسلمين وتراثهم عبر تاريخهم الطويل ..

وأكثر من هذا ..فإن عمر ليس بالمشرِّع العادي , حتى تكون تشريعاته في العدل الاجتماعي تشريعات عادية ..فهو أكثر من صحابي .. وأكثر من واحد ممن سبقوا إلى الاسلام ..وأكثر من هذا كله يتميز عمر ويمتاز بعبقرية ملهمة في التشريع , تضفي على تشريعاته في العدل الاجتماعي عبقرية تضعها في مكانٍ عالٍ بين تشريعات غيره من الخلفاء ..

2- المساواة وعدل أبي بكر :

كانت الفتوحات الاسلامية على عهد أبي بكر الصديق تدور أساسا في نطاق شبه الجزيرة العربية , ومن ثم كانت (( الغنائم )) محدودة لاتقارن بتلك التي تحصلت على عهد عمر من فتوحات فارس والشام ومصر .. وكان أبو بكر يوزع هذه الغنائم بالمساواة بين الناس , بصرف النظر عن قرابتهم من الرسول أو بعدهم عنه وبصرف النظر أيضا عن سبقهم إلى الاسلام أو تأخرهم في اعتناق الدين الجديد . ولم تكن هناك نصوص دينية – لافي القرآن ولا في السنة – هي التي حددت لأبي بكر هذه التسوية بين الناس في العطاء ( المعاش ) , وإنما كان اجتهادا من أبي بكر في هذه القضية (( المدنية )) غير الدينية , راعى فيها قلة هذه (( الغنائم )) , ومن ثم فإن المقصود بالتسوية هنا إتاحة حد الكفاف الذي يحفظ للناس الوفاء بضرورات الحياة , فكان العدل يعني في هذا الموقف التسوية بين الناس في العطاء .

3 – التفاوت في عهد عمر :

ولما جاء عمر بن الخطاب , وفتحت في عهده الفتوح , وجاءت الأموال الكثيرة , ودون عمر (( الديوان )) , ألغى نظام المساواة الذي عمل به أبوبكر , ووضع نظاما للعطاء تتفاوت فيه أنصبة الناس , وجعل التدرج قائما على دعامتين :

الأولى مدي القرب أو البعد في النسب , بالنسبة للرسول – عليه السلام - .

الثانية : السبق إلى الاسلام , ومن ثم النضال المبكر في سبيل دولته , أو التأخر في اعتناق الدين الجديد , ومن ثم المساهمة في النضال ضده .

· المصلحة المتناسبة مع مقاصد الشريعة :

وتحكي لنا المصادر الاسلامية التي أرخت لهذا الموقف كيف (( كان أبوبكر الصديق قد سوَّى بين الناس في القِِسَم , فقيل لعمر في ذلك , فقال : لا أجعل من قاتل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كمن قاتل معه ! [ابن سعد ( الطبقات الكبرى ) ج 3 ق 1 ص 213 ].

وكيف قال عمر : (( إن أبا بكر رأي في هذا المال رأياَ ولي فيه رأي آخر )) [ كتاب الخراج , لأبي يوسف ص 43 .]

بل ونفهم من هذه المصادر صراحة ما يؤكد قولنا بأن هذه المواقف إنما كانت من وحي الأوضاع الاقتصادية , ومحكومة بالمصلحة التي تقدرها الدولة , وإنه لم تكن لهذه المسائل علاقة عضوية بأمور الدين – إلا من حيث تحقيقها لمقاصد الشريعة في العدل المحقق لمصلحة مجموع الأمة – يشهد لذلك ويقطع به أن عمر الذي رفض نظام (( التسوية )) في العطاء , واستبدل به نظام التفاوت والتمايز

· العودة لنظام المساواة في العطاء :

عاد في أخريات حياته عندما كثرت الأموال – من جانب – وعندما برزت الفوارق الطبقية وهددت قيمة (( العدل )) التي استهدفها هذا الخليفة العظيم – من جانب آخر – عاد فعزم على الرجوع إلى نظام التسوية في العطاء , فيروي (( أبويوسف )) عن عمر أنه لما رأى المال قد كثر قال : لئن عشت الى هذه الليلة من قابل ( أي من العام القادم ) لألحقن أخرى الناس بأولاهم حتى يكونوا في العطاء سواء )) . [ الخراج لأبي يوسف ص 46] .

يؤكد ذلك رواية اسحق بن حارثة بن مضرب عن عمر قوله : (( لئن عشت حتى يكثر المال لأجعلن عطاء الرجل المسلم ثلاثة آلاف )) [ طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 217 ] .

فعمر قد خالف أبا بكر , لأسباب مالية واقتصادية , ثم عزم على العودة الى موقف أبي بكر , لأسباب مالية واقتصادية واجتماعية دون أن يحاول أي منهما الربط بين أي موقف من هذه المواقف الدنيوية المدنية المتغيرة وبين ثوابت الدين إلا من حيث تحقيقها لمقاصد الثوابت الدينية وغاياتها .

د / محمد عمارة – الاسلام والثورة ص 92 – 95

4 – ثورية عمر بن الخطاب :

على أن أخطر المواقف التي واجهت عمر بن الخطاب , وهو يرسي القواعد الاقتصادية والاجتماعية للامبراطورية الجديدة , كان الموقف حيال الأرض الزراعية , الواسعة والغنية , التي فتحتها جيوش العرب المسلمين في المشرق : العراق , وفارس , وفي المغرب : مصر , وفي الشمال : الجزيرة والشام

المزيد





>