المساواة في الإسلام :
يكتب الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة عن أهم مبادئ الاسلامية التي عزت بها أمة الاسلام وأسست للأمة والحضارة ومن بينها المساواة هي الأساس الأول لتحقيق مبدأ العدالة فالعدالة لاتقوم بغير مساواة وننقل نص ماكتبه :
(( فالكل سواء , لافرق بين أبيض أو أسود , ولا أصفر أو أحمر , ولاغني ولا فقير , ولا ملك ولا حقير , وإنما أفضل الناس أقربهم للتقوى وأفعلهم للخير , ويسجل القـرآن الكريم هذا الدستور العظيم في قوله تعالى : { يا أيُّهاَ النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُم مِن ذَكر ٍ وأُنثَى وجَعلناكُم شُعوبا ً وقَبائلَ لِتعارَفواإِنَّ أَكْرَمكُم عِند اللهِ أتْقاكُم إِنَّ اللهَ عَليمٌ خبيرٌ } [ سورة الحجرات : أية 13 ]
وفي قوله تعالى : { مَــن يَعْمَل سٌوءًا يُجْزَ بِه ولايَجِـد لهُ مِن دونِ اللهِ وَلياً ولا نَصيرا ً * وَمَن يَعمَل مِنَ الصَّالحات ِ مِن ذَكَرٍ أو أنثى َ وَهُو مؤمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُون َ الجَنَّةَ ولايُظلَمون َ نَقِيرا ً }
[ سورة النساء : أية 123, 124 ]
ويؤكد الرسول الكريم هذه المساواة المطلقة بين الناس جميعا من كل لون وجنس في قوله الشريف : (( الناس سواسية كأسنان المشط , لافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ))
ويؤكد هذه المساواة أن لاشفاعة لمجرم , وأن لاتغاضي عن آثم , وقد أراد أسامة ابن زيد وقد تربى في بيت الرسول , وكان قريبا إلى قلبه , أن يشفع لفاطمة بنت الأسود المخزومية , وكانت قد ضيطت متلبسة بجريمة السرقة , فغضب النبي وأنكر الشفاعة , ووجه الحديث إلى أسامة في غضب : (( أتشفع في حَدٍّ من حدود الله ؟ )) , ثم قام النبي بعد ذلك فخطب الناس قائلا : (( إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا اذا سرق الشريف تركوه , وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد . وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )) . وليس من شك في أن المساواة أساس العدالة في المجتمع .
· وأبو بكر الصديق يؤكد هذا المعنى , أي معنى المساواة , في أول خطبة خطبها وقد ولي أمر المسلمين , لأنه يعلم أنه حيث تفتقد المساواة تفتقد العدالة , وحيث تفتقد العدالة ينهار المجتمع ))
· مابين عمر وجبلة يروي سيادة الدكتور الشكعة الحادثة بين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وجبلة : (( وتطبيقا لهذه القاعدة العظمى ماحدث لجبلة بن الأيهم الملك الغساني , وقد دخل الاسلام وجاء إلى مكة في خمسمائة فارس من قومه وقد لبسوا ثياب الوشي المنسوجة من الذهب والفضة , وفي أثناء الطواف بالبيت العتيق داس رجل من فزارة على إزار جبلة فَحَلَّه , فالتفت إليه جبلة مغضبا فلطمه فهشم أنفه , فذهب الفزاري إلى عمر بن الخطاب شاكيا , فبعث عمر إلى جبلة وسأله عن سر اعتدائه على الفزاري , فأجاب جبلة قائلا : إنه وطئ إزاري فحله , ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي في عيناه , فقال عمر : أما أنت فقد أقررت , إما أن ترضيه وإلا أقدته منك ..قال جبلة : أتقيده مني وأنا ملك وهو سوقة ؟! قال عمر : ياجبلة إنه قد جمعك وإياه الاسلام فما تفضله بشئ إلا بالعافية , قال جبله : والله لقد رجوت أن أكون في الاسلام أعز مني في الجاهلية , قال عمر : دع عنك هذا , قال جبلة : إذن أتنصر , قال عمر : إن تنصرت ضربت عنقك . قال جبلة : أخرني إلى غد ياأمير المؤمنين , فأجابه عمر إلى طلبه , فلما كان الليل هرب هو وفرسانه وظلوا يضربون في الأرض حتى دخلوا القسطنطينية فتنصروا , وعاشوا في حماية هرقل , وبعد مدة من الزمان حن جبلة إلى الإسلام الذي سوى بين الناس وندم على فعلته وبكى قائلا :
تنصرت الأملاك من خَوفِ لطمةٍ
وما كان فيها لو صبرتُ لها ضرر
تَكنَّفني منها لِجاجٌ ونخـــــوةٌ
وبِعتُ لها العين َ الصحيحة بالعور
فياليت أمي لم تلدني وليتني
رجعتُ إلى القولِ الذي قاله عُمرْ
وياليتني أرعى المخاضَ بقفرةٍ
وكُنت أسيرا في ربيعةَ أو مُضَرْ
وياليت لي بالشام أدنى معيشةٍ
أجالس قومي ذاهب السمع والبصرْ
وهكذا تسوي العدالة الاجتماعية في الحق بين الملك والصعلوك , وتصر على إنصاف المظلوم مهما صغر شأنه من المعتدي ولو كان ملكا .
هذه العدالة المطلقة والمساواة المطلقة مبدأ من مبادئ الإسلام المقدسة , فأين منها مبادئ الأخلاق في الفلسفة اليونانية عند أرسطو الذي يطلقون عليه اسم المعلم الأول ؟!
· إن أرسطو في الكتاب الخامس من الأخلاق يضع مبأ التفريق الاجتماعي بصراحة وعنده ما يسمى بالعدالة التوزيعية , وهي التي ترشد الدولة في توزيع الرتب والألقاب والأموال , وهي عدالة تعتمد على مبدأ التفريق بين













