13- التكافل الاجتماعي :
لاتستقيم حياة يذهب فيها كل فرد الى الاستمتاع بحريته المطلقة الى غير حد ولامدى , يغذيها شعوره بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط , والمساواة المطلقة التي لايحدها قيد ولاشرط ؛ فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع كما يحطم الفرد ذاته . فللمجتمع مصلحة عليا لابد أن تنتهي عندها حرية الأفراد ؛ وللفرد ذاته مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته , لكي لايذهب مع غرائزه وشهواته ولذائذه الى الحد المردي ؛ ثم لكي لاتصطدم حريته بحرية الآخرين , فتقوم المنازعات التي لاتنتهي , وتستحيل الحرية جحيما ونكالا , ويقف نمو الحياة وكمالها عند حدود المصالح الفردية القريبة الآماد . وذلك كالذي حدث في ((حرية )) النظام الرأسمالي , وما صاحبه من نظريات الحرية الحيوانية للشهوات !
والاسلام يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها , والمساواة الانسانية في أدق معانيها , ولكنه لايتركها فوضى , فللمجتمع حسابه , وللانسانية اعتبارها , وللاهداف العليا للدين قيمتها . لذلك يقرر مبدأ التبعية الفردية , في مقابل الحرية الفردية , ويقرر الى جانبها التبعية الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها . وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي .والاسلام يقرر مبدأ التكافل في كل صوره وأشكاله . فهناك التكافل بين الفرد وذاته , وبين الفرد وأسرته القريبة , وبين الفرد والجماعة , وبين الأمة والأمم , وبين الجيل والأجيال المتعاقبة أيضا .
الهدف من التكافل القضاء على تضخم الثروة :*
وهناك تكافل بين الفرد وأسرته القريبة : {وبِالوَالدين إحْسانا ً . إما يَبْلُغنَّ عِندك الكِبَرَ أحدهما أو كلاهما , فلاتقل لهما أفٍ , ولاتنهرهما , وقُل لهما قولا كريما , واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وَ قُل لهما قولا كريما , واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرا } [ سورة الاسراء :23- 24 ]
{ وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [سورة الأحزاب : 6 ]
وقيمة هذا التكافل في محيط الأسرة أنه قوامها الذي يمسكها ؛ والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع , ولامفر من الاعتراف بقيمتها ؛ وهي تقوم على الميول الثابتة في الفطرة الانسانية , وعلى عواطف الرحمة والمودة , ومقتضيات الضرورة والمصلحة , كما أنها العش الذي تنشأ فيه وحوله مجموعة الآداب والأخلاق الخاصة بالجنس , وهي في صميمها آداب المجتمع الذي ارتفع عن الإباحية الحيوانية والفوضى الهمجية .
ولقد حاولت الشيوعية أن تقضي على الأسرة بحجة أنها تنمي أحاسيس الأثرة الذاتية , وحب التملك ؛ وتمنع شيوعية الثروة , وشيوعية ملكية الدولة للأفراد …ولكنها فيما يبدو قد فشلت في هذا فشلا تاما , فالشعب الروسي شعب عائلي , وللعائلة مكانها في نفسه وفي تاريخه , فوق أن الأسرة نظام بيولوجي ونفسي لانظام اجتماعي فحسب , فتخصيص امرأة لرجل أصلح بيولوجيا وأفلح لأنجاب الأطفال . وقد لوحظ أن المرأة التي يتداولها عدة رجال تعقم بعد فترة معينة أو لايصح نسلها . أما من الوجهة النفسية فمشاعر المودة والرحمة تنمو في جو الأسرة خيرا مما تنمو في أي نظام آخر …
وليست العوامل البيولوجية والنفسية وحدها , فهناك مقتضيات الضرورة والمصلحة التي تربط بين رجل وامرأة لتكوين بيت ورعاية أطفال , ثم العلاقات التي تربط بين أفراد الأسرة الواحدة , وتجعل منهم وحدة اجتماعية متعاونة في الخير والشر , متكافلة في الجهد والجزاء , جيلا بعد جيل .
ومن مظاهر التكافل العائلي في الاسلام ذلك التوارث المادي للثروة المفصل في الآيات التاليات : (( يُوصيكم الله في أولادِكُم للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين , فإن كُنَّ نِساءً فوق اثنتين فلهُنََّ ثلثا ما تَرَك , وإن كانت واحدة فلها النصف , ولأبويه لكل واحدٍ منهما السُدُس مما ترك . إن كان له ولد . فإن لم يكن له ولد , وورثه أبواه فلأمه الثلث . فإن كان له إخوةُ فلأمِّه السدس , من بعد وصية يوصي بها أو دين . آباؤكم وأبناؤكم لاتدرون أيهم أقرب لكم نفعا . فريضةً من الله . إن الله كان عليما حكيما . ولكم نصف ُ ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولدٌ , فإن كان لهنَّ ولدٌ فلكم الرُبع مما تركن من بعد وصيةٍ يوصين بها أو دين , ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد , فإن كان لكم ولد فلهن الثُمُن مما تركتم . من بعد وصيةٍ توصون بها أو دين )) .
[ سورة النساء : 11-12 ]
(( يستفتونك . قُل : الله يُفتيكم في الكلالة : إن امرؤٌ هلك ليس له ولد وله أختٌ فلها نصف ماترك , وهو يرثها إن لم يكن لها ولد , فإن كانتا اثنتين فلها الثلثان مما ترك ؛ وإن كانوا إخوة ً رجالا ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين . يُبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ ٍ عليم ٌ )) .
[ سورة النساء : 176 ]
أما الوصية التي أشير إليها في الآيتين الأوليين فهي لاتتجاوز الثلث بعد وفاء الدين ولاتكون لوارث , لحديث : (( ولاوصية لوارث )) . [ رواه صاحب مصابيح السنة وقال : إنه حسن ]
إنما شرعت لتدارك بعض الحالات التي لايرث فيها من توجب الصلة العائلية أن يصله المورّث ويبره , ولتكون مجالا لإنفاق شئ من التركة في وجوه البر والخير .
هذا النظام الذي شرعه الاسلام مظهر من مظاهر التكافل بين أفراد الأسرة الواحدة , وبين الأجيال المتتابعة – فوق أنه وسيلة من وسائل تفتيت الثروة لئلا تتضخم تضخما يؤذي المجتمع أما هنا فنكتفي بالقول بأن في نظام الإرث الاسلامي عدلا بين الجهد والجزاء , وبين المغانم والمغارم في جو الأسرة . فالوالد الذي يعمل – وفي شعوره أن ثمرة جهوده لن تقف عند حياته القصيرة المحدودة , بل ستمتد لينتفع بها أبناؤه وحفدته , وهم امتداده الطبيعي في الحياة – هذا الوالد يبذل أقصى جهده , وينتج أعظم نتاجه ؛ وفي هذا مصلحة له وللدولة وللانسانية , كما أن فيه تعادلا بين الجهد الذي يبذله والجزاء الذي يلقاه . فأبناؤه جزء منه يشعر فيهم بالامتداد والحياة .
أما الأبناء فعدل أن ينتفعوا بجهود آبائهم وأمهاتهم , إذ الصلة بين الوالدين والأبناء لاتنقطع لو قطعت صلة الميراث المالي ؛ فالآباء والأمهات يورثونهم صفات واستعدادات في تكوينهم الجثماني , والعقلي ؛ وهذه الاستعدادات تلازمهم في حياتهم , وتفرض عليهم كثيرا من أوضاع مستقبلهم – إن خيرا وإن شرا – دون أن تكون لهم يد في رد هذه الوراثة أو تعديلها . ومهما جاهدت الدولة أو جاهد المجتمع فلن يهب طفلا وجها جميلا إذا ورّثه أبواه وجها قبيحا ؛ ولن يمنحه سلامة أعصاب , واعتدال مزاج , إذا ورثاه اختلالا واضطرابا ؛ ولن يعطيه عمرا طويلا وصحة موفورة , إذا ورَّثاه استعدادات للبلى السريع والمرض الملازم … فإذا كان عليه أن يرث هذا كله غير مخيَّر …
وقد ضرب القرآن مثلا للتكافل بين الآباء والأبناءفي قصة موسى – عليه السلام – مع عبدالله الصالح الذي قال الله عنه : (( فوَجدا عبْدا من عِبادنا آتيناه رحمة ً من عندنا وعلَّمناه من لدُنَّا عِلما )) .. (( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوْا أن يُضيفوهما , فوجدا فيها جدارا يُريد أن ينقضَّ فأقامه )) . وقد قال له موسى : (( لوشئتَ لأتخذت عليه أجرا )) .
[ سورة الكهف : 77 ]
مادام أهل القرية لم يطعموها . فكشف له عن السر في تقويمه للجدار فقال : (( أمَّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة , وكان تحته كَنزٌ لهما , وكان أبوهما صالحا , فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما , رحمة من ربك وما فعلته عن أمري )) .
[سورة الكهف : 82 ]
وهناك تكافل بين الفرد والجماعة , وبين الجماعة والفرد . والاسلام يبلغ في هذا التكافل حد التوحيد بين المصلحتين , وحد الجزاء والعقاب على تقصير أيهما في النهوض بتبعاته في شتى مناحي الحياة المعنوية والمادية على السواء .
فكل فرد مكلف أولا أن يحسن عمله الخاص . وإحسان العمل عبادة لله , لأن ثمرة العمل الخاص ملك للجماعة وعائدة عليها في النهاية : (( وقُل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )) .
[ سورة التوبة : 105]
وكل فرد مكلف أن يرعى مصالح الجماعة كأنه حارس لها , موكل بها . والحياة سفينة في خضم , والراكبون فيها جميعا مسؤولون عن سلامتها ؛ وليس لأحد منهم أن يخرق موضعه منها باسم الحرية الفردية : (( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها , فكان الذين في أسفلها إذا استقوا مرُّوا على من فوقهم , فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا ! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا , وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا )) .
[ البخاري والترمذي واللفظ للبخاري ]
وهو تصوير بديع لتشابك المصالح وتوحدها , بإزاء التفكير الفردي الذي يأخذ بظاهر المعاني النظرية …
والتعاون بين جميع الأفراد واجب لمصلحة الجماعة في حدود البِّر والمعروف : (( وتعاونوا على البِّر والتقوى , ولاتعاونوا على الإثم والعُدوان ))
[ سورة المائدة :2 ]
(( ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )) [ سورة آل عمران : 104 ]
وكل فرد مسؤول بذاته عن الأمر بالمعروف , فإن لم يفعل فهو آثم وهو معاقب بإثمه : (( خُذوه فغُلوه , ثم الجحيم صَّلوه ؛ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه . إنه كان لايؤمن بالله العظيم , ولايَحُضُّ على طعام المسكين , فليس له اليوم هاهنا حميم , ولاطعام إلا من غِسلين ؛ لايأكله إلا الخاطئون )) .
[ سورة الحاقة : 30 – 37 ]
وكل فرد مكلف أن يزيل المنكر الذي يراه : (( مَن رأى مِنكم مُنكرا فليغيِّره بيده , فمن لم يستطع فبلسانه , فمن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الايمان )) [ رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ]
والأمة كلها تؤاخذ وينالها الأذى والعقاب في الدنيا والآخرة إذا سكتت عن وقوع المنكر فيها من بعض بنيها , فهي مكلفة أن تكون قوّامة على كل فرد فيها : (( وإذا أردنا أن نُهلِك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها , فحقَّ عليها القولُ فدَّمرناها تدميرا )).
[ سورة الاسراء :16]
والأمة مسؤولة عن حماية الضعفاء فيها ؛ ورعاية مصالحهم وصيانتها , فعليها أن تقاتل عند اللزوم لحمايتهم : (( وما لَكم لاتُقاتلون في سبيل الله ِ والمُستضعفين من الرجال ِ والنساءِ والوِلدان ِ ؟ ))
[ سورة النساء : 75]
وهي مسؤولة عن فقرائها ومعوزيها أن ترزقهم بما فيه الكفاية ؛ فتتقاضى أموال الزكاة وتنفقها في مصارفها ؛ فإذا لم تكف فرضت على القادرين بقدر ما يسد عوز المحتاجين , بلاقيد ولاشرط إلا هذه الكفاية . فإذا بات فرد واحد جائعا فالأمة كلها تبيت آثمة مالم تتحاض على إطعامه : (( كلأ بل لا تُكرِمون اليتيم , ولاتحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لمًّا . وتُحبون المال حبا ًّ جَمًّا . كلأ إذا دُكَّت الأرضُ دَكًّا دَكًّا وجاء ربك والمَلَكُ صفاًّ صفًّا , وجئ يومئذٍ بِجهنم .. يومئذٍ يتذكر الانسان وأنَّى له الذِكرى , يقول يا ليتني قدَّمت لحياتي ! فيومئذٍ لا يُعَذَّب عذابه أحد ولايوُثق وثاقه أحد ))
[ سورة الفجر : 17- 26 ]
وفي الحديث(( أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى ))
[ المسند للامام أحمد بن حنبل نشر الاستاذ أحمد محمد شاكر حديث رقم 4880 ]
و (( من كان معه فضلُ ظهر فليعد به على من لا ظهر له , ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لازاد له )) [ رواه مسلم وأبو داود ]
و (( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث … وإن أربع فخامس أو سادس )) .
[ حديث متفق عليه ]
والأمة المسلمة كلها جسد واحد , يحس إحساسا واحدا , وما يصيب عضوا منه يشتكي له سائر الأعضاء . وهي صورة جميلة أخاذة يرسمها الرسول الكريم فيقول : (( مثل المؤمنين في توادهم , وتراحمهم وتعاطفهم , كمثل الجسد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )) [ حديث متفق عليه ]
وعلى هذا الأساس وضعت الحدود في الجرائم الاجتماعية , وشددت تشديدا . لأن التعاون لايقوم إلا على أساس صيانة حياة كل فرد في دار الإسلام وماله وحرماته : (( كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله )) [ رواه الشيخان ]
لذلك شرع القصاص في القتل والجروح جزاء وفاقا . وجعل جريمة القتل كجريمة الكفر في العقوبة : (( ومن يقتل مؤمنا مُتعَمِّدا فجزاؤه جهَّنم خالدا فيها )) [ سورة النساء : 93]
(( ولاتقتلوا النفس َ التي حرَّم الله إلا بالحق , ومن قُتِلَ مظلوما فقد جعلنا لِوليِّه سلطانا ))
[ سورة الاسراء : 33 ]
(( وكتبنا عليهم فيها أنَّ النَّفس َ بالنفسِ , والعينَ بالعينِ , والأنفَ بالأنفِ , والأذنَ بالأذنِ , والسنَّ بالسِّنِ ,والجروح قِصاصٌ ))
[ سو


































