مجدي حسين يكتب عن كارثة نهر النيل :
عطش مصر ..انجاز مبارك في فترة رئاسته السادسة
حذرنا من هذه الكارثة وطرحنا الحل منذ 15 عاما
التاريخ: 14/05/2010عطش مصر.. إنجاز مبارك فى فترة رئاسته ال
كتبنا وحذرنا فى جريدة الشعب منذ 15 عاما من كارثة مياه النيل، واقترحنا خطة للمواجهة يرددها الإعلام الرسمى بعد فوات الأوان, فهل سيترك الشعب نظام مبارك يحكمه حتى يدمر مصر تدميرا شاملا، وحتى تصبح شربة الماء مهددة، هل سنترك هذا النظام حتى يجف نهر النيل وتنتهى مصر، فمصر لم تقم إلا على النيل, وهو سبب وجودها, حتى قلنا أن مصر هبة النيل. كنا نشكو من تلوث المياه، والزراعة بمياه المجارى، وغدا لن نجد مياها نقية ولا ملوثة. فما الذى بقى من الإنجازات التى يمكن أن يحققها حكم السفهاء، نحن نشهد حالة الانتحار الجماعى للأمة كما تفعل بعض الكائنات البرية والبحرية. والانتحار حرام وكفر, فكيف إذا كان الانتحار جماعيا.رضينا بالفيروس الكبدى والسرطان والفشل الكلوى، والغلاء، والبطالة، والتخلف التعليمى والحضارى, وصمتنا، والآن جاء موعدنا مع العطش وهو الأمر الذى يعنى الفناء. وهذا لن يتم فى يوم وليلة, ولكن سيكون موتا زاحفا بصورة تدريجية، بل نحن من الآن نعانى من أزمة مياه للشرب والزراعة، وستتواصل هذه الأزمة تدريجيا. وأكثر من ثلاثين مليونا يشربون الآن مياها ملوثة، وهذه هى بداية الأزمة, ثم سنشرب جميعا مياها ملوثة، ثم يأتى يوم بلا مياه ملوثة أو نقية!!
وقد أمرنا الله ألا نؤتى السفهاء أموالنا: (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ) ومع ذلك فقد سلمنا أموالنا ورقابنا لحكم السفهاء، وسنظل ندفع ثمن ذلك, وستدفع الأجيال القادمة ثمنا أكبر. فما الذى كتبته منذ 15 عاما؟ أعرضه مرة أخرى من الذاكرة مع بعض الإضافات التى أكدتها مرور الأيام.
أولا: البيئة المحيطة:
قبل الحديث عن روابط العروبة والإسلام، فإن هناك قاعدة أساسية تحكم المجتمعات بشكل عام, وهى ترتيب أوضاعها فى البيئة المحيطة بها (الجيران ودول الإقليم) بحيث تكون بيئة صديقة ومواتية، لا بيئة معادية. وأى حاكم لا ينظر إلى الخريطة كل يوم هو حاكم أحمق. فأى دولة صغيرة أو كبيرة يجب أن تضع فى رأس أولوياتها البيئة المحيطة بها، فإذا كانت دولة صغيرة تبحث عن الاستقواء بدولة كبيرة فى المنطقة، وإذا كانت كبيرة تسعى لتقوية روابطها ونفوذها فى الدول الصغيرة المحيطة بها, أو التحالف مع الدول المماثلة لها فى القوة. أما الاكتفاء بالانشغال بالأوضاع الداخلية فهو حماقة كبرى، لأن أى مجتمع لا يعيش فى جزيرة معزولة عن العالم المحيط، والبيئة المحيطة قد تؤدى إلى خنق المجتمع (إذا كانت معادية) أو تؤدى إلى ازدهاره (إذا كانت صديقة) والذى ينشغل بوضعه الداخلى عن وضعه الإقليمى أشبه بالمشغول بترتيب بيته من الداخل دون مراعاة أحوال حديقة بيته أو الشارع المقيم فيه أو الحى أو المدينة، فما فائدة الانشغال بترتيب البيت والأوضاع حوله غير آمنة, أو يتعرض لانقطاع شبه دائم للماء والكهرباء. فما بالكم وأن حكامنا حتى لم ينشغلوا بترتيب الأوضاع الداخلية إلا وفقا لمصالحهم وأرباحهم غير المشروعة, فأصبح البيت يُدمر من الداخل والخارج فى آن معا، حتى الدول الكبرى لا تستطيع أن تتعالى على إقليمها المحيط, ولا تستغنى عنه, بل أن ترتيب وضعها فى إقليمها شرط أولى لتتحول إلى دولة كبرى. حتى الصين العظيمة السكان والمساحة لا يمكن تفسير انطلاقتها بعيدا عن ترتيب أوضاعها فى إقليم جنوب شرق آسيا, وابتداء من دول متناهية الصغر كهونج كونج ومكاو ثم تايوان ثم مجموعة الآسيان. ومن المؤسف أننى مضطر للخوض فى البديهيات, فالدول المجاورة لك معبر للعبور للعالم سواء برا أو بحرا أو جوا, والدول المجاورة هى أقرب الأسواق للتصدير والاستيراد, وهذا يحقق مكسبا اقتصاديا، والدول المجاورة عمق استراتيجى فى الأزمات الإستراتيجية، والدول المجاورة مناسبة لتصدير العمالة أو استيرادها، الدول المجاورة يمكن أن تكون مصدر تهديد للأمن القومى (استضافة معارضين - تهريب سلاح ومخدرات.. الخ) لذلك لابد من تأمين الحدود بالصداقة وليس بالأسلاك الشائكة أو الجدار الفولاذى!
وفى عهد كامب ديفيد تم تدمير كل هذه البديهيات، فأصبحت الأولوية للعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والشراكة مع أوروبا, بينما تراجعت علاقات مصر مع بيئتها العربية. صحيح أن إسرائيل دولة مجاورة, ولكنها دولة معادية ومصطنعة ومزروعة, بل ودولة احتلال استيطانى, وهى الخطر الأكبر على مصر, كما أن مصر هى الخطر الأكبر عليها. فى حين وصل الأمر إلى حد الدخول فى حرب مع ليبيا، وكنا على وشك الدخول فى حرب مع السودان، والآن نحن فى حالة حرب باردة مع غزة! وفى الدائرة الأوسع دخلنا فى حروب سياسية وإعلامية متواصلة مع أطراف عربية وإسلامية: العراق - سوريا - قطر - اليمن - إيران - أفغانستان طالبان, بالإضافة لكافة حركات المقاومة ضد الاحتلال: فى فلسطين ولبنان والعراق والصومال. والمثير للسخرية والألم أن حاكمنا رفض مشروع إقامة جسر برى بين مصر والسعودية وهو مشروع بالغ الأهمية، كان يمثل شريانا أساسيا للتفاعل بين البلدين الكبيرين, بل وبين المشرق العربى والمغرب العربى، والرفض كان بأوامر إسرائيلية صريحة وعلنية! وتم دفن المشروع فى غياهب النسيان. ويشهد التاريخ أن مصر لم تزدهر إلا فى الفترات التى كانت متواصلة مع محيطها العربى خاصة الشرقى والجنوبى. وهذا قانون بديهى ينطبق على مصر وغيرها, فالهرم لكى يرتفع لابد له من قاعدة عريضة, والمنطقة المحيطة بالدولة هى القاعدة, وحتى الدول الاستعمارية ذات القاعدة الضيقة فإنها لم تعمر طويلا: كهولندا والبرتغال وحتى إيطاليا.
فى الوقت الحاضر العلاقات معقولة مع ليبيا والسودان, بمعنى أنها توقفت عن الحالة العدائية, ولكنها بعيدة عن أن تكون علاقة إستراتيجية كما يتوجب فى علاقات الجوار, وقد دفع النظام المصرى ليبيا خلال فترة الحصار للتقارب مع أمريكا، واكتشفت ليبيا أن الارتماء فى أحضان أمريكا لا يحتاج لمرشد أو دليل، وفعلت ذلك وأصبحت صديقة لأمريكا والغرب كطريق لفك الحصار، وتدهورت العلاقات المصرية - الليبية ليس إلى مستوى العداء ولكن لتكون مجرد علاقة طبيعية فاترة، وأصبحت العمالة المصرية فى ليبيا تتعرض لسوء معاملة متزايدة، وتزايدت القيود على المصريين لدخول ليبيا، بل وأعادت ليبيا تأشيرة الدخول للمصريين بينما ألغتها مع تركيا البعيدة!!
أما العلاقات مع السودان فلا شك أنها أصبحت أفضل, وهذه من الحسنات النادرة فى سياستنا العربية, ولكنها أيضا لم ترتقى إلى مستوى استراتيجى، بينما هو أمر لا فكاك منه بالنسبة لمصر. فالسودان يمكن أن يعيش بدون مصر، ولكن مصر لا تستطيع العيش بدون السودان. وسنأتى لتفصيل ذلك.
ثانيا: الـدولة المحورية:
التقسيم الشائع والبسيط للدول هو: دول عظمى - دول متوسطة - دول صغرى, ولا شك أن الدول العظمى دول أساسية ومحورية فى منطقتها أولا ثم فى العالم، أما الدول المتوسطة فى الوزن الحضارى والسكان والمساحة فليست متساوية، فبعضها يطلق عليه: الدول المحورية, أى أنها دولة قيادية ومؤثرة فى محيطها الإقليمى, وبعض هذه الدول إذا استطاع أن يقوم بدوره القيادى يتحول إلى دولة عظمى, وهذا ما حدث مع الصين والهند، ويحدث الآن مع البرازيل ثم جنوب أفريقيا بدرجة أقل. والدولة المحورية تكون عادة هى الأكبر مساحة وسكانا وحضارة فى محيطها الإقليمى وتحظى بقبول ثقافى ولها امتداداتها السكانية فى البلاد المجاورة شريطة أن تنجح فى عملية الإقلاع (التنمية) وهى تتحول بذلك إلى قطب مغناطيسى يجذب كل القطع (الدول) الصغيرة حولها وتتحول إلى قائد الجوقة فى الإقليم بالدور الفعال وليس بالاحتلال والنفوذ العسكرى وإن كانت لابد من أن تكون قوية عسكريا حتى تحمى مشروعها التنموى وأن يكون لها هيبة دولية ذات مصداقية. وقدر مصر أن تكون دولة محورية فى إقليمها وينافسها تاريخيا: العراق - إيران - تركيا, وقد خرج العراق فى الآونة الأخيرة, وسيظل دولة ضعيفة لفترة ما حتى بعد خروج الاحتلال الأمريكى. وإيران تقوم بدور غير مسبوق فى تاريخها القريب وتركيا قادمة بقوة، ومصر تواصل الانسحاب، ولكن الدولة المحورية عندما تفقد دورها الذاتى، ونظرا لأهميتها الأصلية فإن قوى أكبر منها تستحوذ عليها وتوظفها لمصالحها, وهذا ما حدث باستيلاء الولايات المتحدة على مقدرات مصر، وكما فعلت من قبل فرنسا وإنجلترا والإمبراطورية الرومانية، والدولة العثمانية وحتى الدولة الفارسية والهكسوس (فى العصر الفرعونى). ويعيش حكام مصر الآن على أمجاد الماضى ويتحدث إعلامها كثيرا عن وزن مصر وعظمة مصر، ولكنها أصبحت الآن مملكة أمريكية، وفى إطار الحلف الصهيونى - الأمريكى، فالمطلوب أن تظل مصر ضعيفة، مجرد قاعدة نفوذ أمريكى وأن تستثمر نقاط قوتها: الموقع - الموضع - الحضارة (وإن ذبلت الوردة فلا تزال لها رائحة!) فى إطار المشروع الأمريكى - الصهيونى فى المنطقة، لضمان المصالح الأمريكية والاحتفاظ بتفوق الكيان الصهيونى. وفى إطار انهيار الكيان المصرى، وسيطرة نخبة محدودة الأفق عليه، تعلن كل يوم أن عدد السكان كارثة، بل زيادة السكان هو الكارثة الأكبر. فى حين أن الدول العظمى والمحورية لابد من أن تكون كثيفة السكان، فهذه نعمة ونقطة قوة لا نقمة, ولكنهم كالسفيه الذى لا يدرك قيمة ما فى يديه من جواهر وثروات. والملفت للانتباه أن محورية مصر لها بعدان: بعد أفقى عربى - إسلامى، شرقا وغربا، ولها بُعد رأسى عربى - إسلامى - أفريقى شمالا وجنوبا, وهذا البعد الرأسى هو الذى يشغلنا الآن فى تناول قضية نهر النيل.
ثالثا: العروبة والإسلام:
بدأت الحديث عن الجيران ودول الجوار بالتسلسل المنطقى للأشياء، فحتى إذا كانت السودان بلد أفريقى وثنى على حدودنا، فمن واجبنا أن نقيم معه أفضل علاقات التعاون! أقول من واجبنا تجاه أنفسنا. والمفارقة أن محيطنا عربى - إسلامى, وبالتالى فإن أواصر الود طبيعية: لغة وعقيدة وتاريخ مشترك وتزاوج واختلاط دموى (على خلاف الشعوب الأوروبية حيث توجد عدة لغات وقوميات بين دول متجاورة, ولكنهم أدركوا أهمية الترابط والتآصر) بل وأكثر من ذلك فإن مصر لها قابلية ومحبة طبيعية فى قلوب العرب كمركز للحضارة والثقافة والفنون والآداب. وهذا أكبر رأس مال يهدره حكام مصر اليوم. مصر جزء لا يتجزأ من أمتها العربية - الإسلامية، ولا يمكن النظر فى حل مشكلاتها بعيدا عن أمتها، بل أن ابتعادها عن أمتها يزيد من مشكلاتها ويزيدها ضعفا فى كل المجالات.
رابعا: السودان دولة محورية بالنسبة لمصر:
فى إطار تركيزنا على مشكلة نهر النيل، نتحدث عن السودان، وقد رأينا دوما أن مصر والسودان بلد واحد (على الأقل شمال السودان) وهذا كلام تاريخى، لا مجرد رأى أو أمنية أو دعوة عاطفية. ويمكن مراجعة تفصيل ذلك فى كتابى (مصر والسودان).
منذ العهد الفرعونى حتى الاحتلال البريطانى كانت مصر والسودان دولة واحدة خاصة فى لحظات الازدهار الحضارى فى مصر.
ونحن ندعو لوحدة طوعية طبيعية يقبل عليها الطرفان بنفس الحماس، ولابد من توفير أسباب ذلك. والسودان عمق استراتيجى لمصر بعروبته وإسلامه وحبه لمصر والمصريين (ليس من قبيل الصدفة أن الكلية الحربية المصرية انتقلت للسودان بعد عام 1967 لتكون بعيدة عن القصف الإسرائيلى). والتكامل المصرى السودانى يحل مشكلات أساسية للبلدين، فمشكلة مصر الأساسية فى ندرة المياه والأرض الزراعية ونقص الثروة الحيوانية، والسودان يحتاج لإمكانيات مصر والعمالة المدربة والخبراء، والسودان به 200 مليون فدان صالحة للزراعة، ومراعى واسعة وتوفر مياه النيل الذى كان السودان لا يستخدم نصف حصته منها حتى وقت قريب، بالإضافة للأمطار الأكثر غزارة من مصر بكثير. والسودان يعانى من نقص السكان لأن مساحته أكبر من مصر بمرتين ونصف ومعظم أراضيه قابلة للسكنى، على خلاف مصر حيث أكثر من 95% من أراضيها صحراء جرداء، ويعانى شمال السودان خاصة من نقص فادح فى السكان. وطالما طلب نظام الإنقاذ الحالى من مصر ملايين العمالة الزراعية لتستوطن فى شمال السودان. وكان هناك مشروع ثلاثى (مصرى - سودانى- ليبى) لزراعة ملايين الأفدنة فى السودان بالقمح لسد حاجة البلدان الثلاثة ثم للتصدير.
والمؤكد أن الرفض جاء من مبارك وفقا لرواية القذافى ورواية المسئولين السودانيين حيث قال لهم مبارك إن أمريكا لا يمكن أن توافق على هذا المشروع!! وبالتوازى مع ذلك خضع مبارك لفيتو أمريكى آخر على تعمير سيناء بما يسمح بتوطين من 3-5 ملايين مصرى فيها!!
إن التكامل المصرى - السودانى خاصة مع دخول السودان عالم البترول والصناعة، يمكن أن يخلق دولة عظمى إقليمية، فماذا لو أضفنا ليبيا إليهما. وليس مشروع القمح المرفوض مصريا إلا أحد أبرز الأمثلة على ماذا يمكن أن يحدث لو تكاملت قوى هذه البلدان الثلاثة قبل أن تتوحد مع باقى العرب والمسلمين. ورغم رفض هذا المشروع المنطقى والذى يضمن الأمن الغذائى لمصر، سمعنا من أحد الوزراء مرة كلاما أقرب إلى كلام الحشاشين، حيث قال: هناك مشروع مصرى لزراعة القمح فى كندا (أى فى آخر الدنيا)، وطبعا تبين أن هذا المشروع نكتة سخيفة واختفت واختفى الوزير نفسه.
وأذكر أننى دخلت فى سجال مع المشير أبى غزالة وزير الدفاع الأسبق فى لجنة الأمن القومى بمجلس الشعب حول العلاقة مع السودان، وتطرقت لما نشر فى الصحف من تصريحات رسمية عن مشروع لزراعة القمح فى زائير. وقلت هذا مشروع خرافى آخر، وكأن المطلوب هو مكايدة السودان. ورد علىّ أبو غزالة مقاطعا حديثى: والله مصر تزرع وتتعاون مع أى بلد تريد! وقد مر أكثر من عشرين عاما على هذا الحوار، ونحن لم نزرع القمح فى زائير ولا السودان ولا كندا!! بل وتقلصت زراعة القمح فى مصر!
ورغم أن العلاقات مع السودان الآن طبيعية (غير عدائية) فإن مصر تعانى من أزمة لحوم حادة وارتفاع فلكى فى أسعارها، رغم امتلاك السودان لعشرات الملايين من الرؤوس الحيوانية ويصر حكامنا على عدم حل هذه المشكلة بسهولة ويسر من خلال السودان, يتركون المستوردين يذهبون إلى باراجوى والبرازيل والهند لاستيراد لحوم غير صحية، ولا تنطبق عليها الاشتراطات الإسلامية. وتستورد مصر لحوما بـ 400 مليون دولار على الأقل سنويا، ولكنها تضن على السودان بهذا التدفق المالى، رغم أن مصر هى المستفيدة أكثر لأنها ستحصل على لحوم رخيصة ونظيفة وباشتراطات إسلامية.
فى إطار تحسين العلاقات مع السودان تم الاتفاق على إلغاء تأشيرة الدخول, ونفذ السودان الشق الخاص به، وأصبح بإمكان المصريين السفر للسودان، بينما السودانى لا يزال يحتاج لتأشيرة دخول لمصر! ومع هذا فقد أدى هذا التطور من جانب السودان إلى تزايد العمالة المصرية ونزوح أعداد متزايدة من الحرفيين المصريين للعمل فى السودان وبدأت بعض الاستثمارات الخاصة الخجولة المصرية تتزايد ببطء فى السودان.
وكما قلنا فإن الزيادة السكانية المصرية نعمة لا نقمة، ومن مصلحة مصر أن يتوطن ملايين المصريين فى السودان كما حدث من قبل فى العراق، وكما حدث فى العديد من الدول العربية بل وفى أوروبا والولايات المتحدة. وإذا كان لدينا سلطة وطنية حكيمة فإنها تستفيد من هذا النزوح المصرى ويمكن أن يتحول إلى عناصر قوة للدولة المصرية. كما تستفيد الصين من الجاليات الصينية المنتشرة فى دول جنوب شرق آسيا، فى تدعيم النفوذ الصينى ورعاية المصالح الصينية فى هذه البلدان. وأن تكون هذه الجاليات جسور للتعاون بين بلدهم الأم وبلدهم الجديدة (30% من سكان ماليزيا من أصل صينى) وأنا أعنى السفر للاستقرار والحصول على الجنسية وليس مجرد السفر المؤقت وإن كان النوعان من الهجرة مطلوبين. أما فى إطار الوضع الراهن فان ملايين المصريين فى الخارج والذين تتراوح تقديراتهم بين 5-8 ملايين هم مجرد شاردين عن الوطن وهاربين منه، لا يتم الانتفاع بهم ولا ربطهم بالوطن الأم ولا رعاية مصالحهم ولا الدفاع عنهم عندما يتعرضون للظلم أو الاضطهاد. ولو كانت لدينا دولة رشيدة لقامت برعاية عقود العمل بصورة جماعية كما تفعل الدول الآسيوية: الصين والهند والفلبين وغيرها مع عمالتها فى البلاد العربية وإفريقيا. ولكن حكامنا الذين يعتبرون المصريين عبئا على الوطن فى الداخل، فكيف سيفكرون فى قيمتهم بالخارج. ولو كانت لدينا دولة رشيدة لخططت لتهجير من ثلاثة إلى خمسة ملايين مصرى للسودان خاصة لشمال السودان فى إطار مشروعات زراعية مشتركة، ولم تترك ذلك لمجرد الصدف فما بالكم وأن حكومة السودان هى التى ألحت على ذلك مرارا دون استجابة وقد قال لى يوما أحد المسئولين السودانيين إن نزوح المصريين له أهمية إستراتيجية فى التوازن الديموغرافى (السكانى) نظرا لنزوح مئات الآلاف بل الملايين من بلاد أفريقية أخرى مجاورة إلى السودان من غير المسلمين والعرب، والسودان يحتاج لتوازن يحفظ الأغلبية العددية للعرب والمسلمين للحفاظ على الطابع الحالى للسودان. ستقولون ما علاقة هذا الحديث بمسألة نهر النيل؟
والإجابة: أننا سنأتى إلى مسألة نهر النيل بالتفصيل ولكن هذا متعلق أيضا بمسالة المياه. والمعروف أننا نستهلك معظم ما يصلنا من المياه فى الزراعة، فإذا زرعنا ملايين الأفدنة فى السودان بحصة السودان المائية، فكأننا نضيف إلى ثروتنا المائية وبالتالى نضيف إلى ثروتنا الزراعية ومن ثم الغذائية! مع ملاحظة أن الأرض فى السودان أصبحت أكثر خصوبة من الأراضى الزراعية المصرية التى حرمت من طمى النيل، وأصيبت بتراكم الكيماويات عبر عشرات السنين.
وهذا يرتبط بتفادى الوضع البائس الحالى للبلدين حيث لا يوجد ربط لخطوط السكك الحديدية ولا طرق برية حديثة، وهذه مشروعات مكملة للتوسع الزراعى فى السودان وحتى يمكن الاستفادة من ثماره. ولكن كل هذا الخيال غائب عن ذهن حكام مصر الذين يثرثرون عن الزراعة فى كندا وزائير!! ويدخل فى هذا الإطار مشروع توشكى الوهمى، فليس من المهم أن تزرع فى مكان ما ولكن يجب أن تحسب تكاليف النقل وأشياء أخرى عديدة، ولكننا نشير لتكاليف النقل، لأن الزراعة حتى فى السودان المجاورة، لا يمكن نقل منتجاتها بالطائرات!! وهذه أهمية الحديث عن السكك الحديدية والطرق البرية والبحرية. إننا فى احتياج للتعاون مع (المخ السودانى) فالمسألة ليست مياه وأراضى زراعية، وعلى حكامنا ونخبتنا أن يدركوا التطور السياسى والفكرى فى السودان، وان النخبة السودانية فى العقود الأخيرة من أزكى النخب العربية والإسلامية، والتعاون مع النظام السودانى مدخل رئيسى لدول حوض النيل بل ولكل أفريقيا. ويجب أن تتوقف النخبة المصرية فى الحكم والمعارضة عن مرض التعالى على السودان، وان تدرك أن لديها الكثير لتتعلمه من السودان ليس فى فهم السودان فحسب ولكن فى فهم ما يجرى فى حوض النيل والقرن الأفريقى وأفريقيا عموم. والسودان ممكن أن يكون مرشدا ودليلا لنا للغوص الحقيقى فى أعماق القارة السمراء، خاصة بعد أن ابتعدنا لعقود عن هذه القارة، مع استمرار قلة ضئيلة من المتخصصين فى متابعة ما يجرى فى أفريقيا من خلال العمل المكتبى داخل القاهرة وبدون أى زيارات ميدانية للبلاد الأفريقية.
وسأضرب مثلا واحدا على نضح الممارسة السودانية تجاه أفريقيا، فرغم ضعف إمكانيات السودان بالمقارنة بمصر، فمنذ سنوات بعيدة أسست جامعة أفريقية عالمية، وتستقبل الطلاب من مختلف البلاد الأفريقية، وكثيرا منهم عاد إلى بلاده وتولى مواقع ومناصب مهمة فى الإدارة العليا لدولهم، بل من هؤلاء الطلاب من كان من أبناء رؤساء الجمهوريات أو أبناء الوزراء. وهكذا ستجد للسودان علاقات حميمة مع دا
المزيد