صحيفة الشروق المصرية

السبت 12 فبراير 2011
خالد أبو بكر
الفريق سعد الدين الشاذلى.. اسم من ذهب فى تاريخ العسكرية العربية.. رجل السباحة ضد التيار باقتدار.. تعوّد أن يقول كلمته ويمضى من دون اعتبار للعواقب والمآلات.. ففى الوقت الذى كانت فيه الخدمة فى «الحرس الملكى» المصرى فى أربعينيات القرن الماضى قمة الأحلام وسدرة المنتهى لضباط الجيش، تركها مفضلا الحياة فى التشكيلات المرابطة فى الصحارى المصرية، حيث حياة الصبر والجلد.
وفى الوقت الذى كانت تسارع فيه القوات المصرية بالانسحاب فى اتجاه الشط الغربى لقناة السويس فى حرب يونيو 1967، كان الشاذلى قد اتجه شرقا هو ورجاله واحتل موقعا فى صحراء النقب الفلسطينية.
وفى الوقت الذى كانت فيه الغالبية تخطب ودّ الرئيس السادات عارضه فى غرفة العمليات حول تصفية ثغرة «الدفرسوار» فى حرب أكتوبر 1973، حيث كان رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية بوازع من ضميره وشرفه العسكرى.
طوال رحلته الطويلة فى السباحة ضد التيار، حتى لاقى ربه ظهر أمس الأول فات الشاذلى أن الودعاء الطيبين هم الذين يرثون الأرض فى نهاية المدى؛ لأنهم لا يبعدون.. لا يهمشون.. ولا يسجنون كما حدث معه شخصيا، وهو مهندس عملية عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف الذى لا يزال يدرس فى كبريات الأكاديميات العسكرية فى العالم إلى اليوم كمعجزة على أى مقياس عسكرى.
مولد الفريق الشاذلى كان فى قرية «شبرتنا» مركز «بسيون» فى محافظة الغربية عام 1922، كان والده من الأعيان، كما أن عائلته عائلة عسكرية بامتياز، حيث مات جده وهو يقاتل فى حروب الخديو إسماعيل (1878) فى السودان، وشارك أفراد من عائلته فى الثورة العرابية وثورة 1919، وانقطعت صلة العائلة بالحياة العسكرية بعد انكسار الثورة العرابية والاحتلال البريطانى لمصر عام 1882، لتعود الصلة بالتحاق الشاذلى بالكلية الحربية عام 1939.
تخرج الشاذلى فى الكلية الحربية فى يوليو 1940 ضابطا برتبة ملازم فى سلاح المشاة، منذ بداية حياته العسكرية اكتسب الشاذلى سمعة طيبة فى الجيش؛ ففى عام 1941 قررت القيادة المصرية البريطانية المشتركة (فى الحرب العالمية الثانية) الانسحاب من مرسى مطروح (شمال غرب مصر) شكلت مجموعة مؤخرة مهمتها تدمير المعدات والمخزونات التى اضطرت القوات المصرية لتركها عند انسحابها من المنطقة، وكان الملازم سعد الشاذلى ضمن هذه المجموعة، وأدى دورا رائعا.
فى العام عام 1943 تم انتداب الشاذلى للخدمة فى «الحرس الملكى» الذى كان حلم كل الضباط آنذاك بالنظر إلى بعده عن الصحراء، وتمتع من يخدم فيه بامتيازات خاصة، إلا أن الشاذلى بعد فترة وجيزة من الخدمة فيه طلب الانتقال للخدمة فى التشكيلات التعبوية، المرابطة فى الصحارى المصرية.
ومع حلول عام 1954 ترأس الشاذلى أول كتيبة لقوات المظلات فى الجيش المصرى، وفى عام 1960 ترأس القوات العربية المتحدة فى «الكونغو» ضمن قوات الأمم المتحدة، ثم عُيّن ملحقا عسكريّا فى السفارة المصرية بالعاصمة البريطانية لندن (1961 ــ 1963)، وهو ما مكّنه من الاحتكاك بالعقيدة القتالية الغربية، بالإضافة إلى تكوينه وفق العقيدة القتالية الشرقية التى كانت تعتمدها مصر فى تنظيم قواتها، وأساليب قتالها آنذاك.
الاحتلال فى النقب
على الرغم من المرارة التى تجرعتها العسكرية المصرية والعربية فى حرب يونيو 1967، فإن الشاذلى أظهر تميزا نادرا وقدرة كبيرة على القيادة والسيطرة والمناورة بقواته، فقبل بدء المعركة شكّل الجيش المصرى مجموعة من القوات الخاصة (الكوماندوز) لحراسة منطقة وسط سيناء (بين المحور الأوسط والمحور الجنوبى) أسندت قيادتها للشاذلى، وعرفت فيما بعد فى التاريخ العسكرى المصرى باسم «مجموعة الشاذلى».
مع بدء المعركة صبيحة 5 يونيو بضرب سلاح الجو المصرى، واتخاذ القيادة العامة المصرية قرارها بالانسحاب، فقد الشاذلى الاتصال مع قيادة الجيش فى سيناء، وهنا اتخذ القرار الأصعب بعد أن شاهد الطيران الإسرائيلى يسيطر تماما على سماء سيناء، فقام بعملية من أروع عمليات المناورة فى التاريخ العسكرى العربى، حيث عبر بقواته شرقا وتخطى الحدود الدولية قبل غروب يوم 5 يونيو، وتمركز بقواته داخل صحراء النقب الفلسطينية، وعندها ظنه الطيران الإسرائيلى وحدة تابعة له فلم يهاجمه على الإطلاق.
وبقى الشاذلى فى النقب يومين إلى أن تمكن من تحقيق اتصال بالقيادة العامة بالقاهرة التى أصدرت إليه الأوامر بالانسحاب فورا.
فاستجاب لتلك الأوامر وقام بعملية انسحاب فى ظروف غاية فى الصعوبة على أى قائد فى مثل ظروفه، ورغم هذه الظروف لم ينفرط عقد قواته، كما حدث مع وحدات أخرى، لكنه ظل مسيطرا عليها بمنتهى الكفاءة، واستطاع بحرفية نادرة أن يقطع أراضى سيناء كاملة من الشرق إلى الشط الغربى لقناة السويس (نحو 200 كم) فى عملية انسحاب لا تقل عظمة عن انسحاب القائد الألمانى فيلد مارشال «روميل» فى الحرب العالمية الثانية، باعتبار أن الشاذلى كان يسير فى أرض يسيطر العدو تماما عليها، ومن دون أى دعم جوى، وبالحدود الدنيا من المؤن، إلى أن وصل قبل غروب يوم 8 يونيو بكامل قواته ومعداته غرب القناة.
بعد عودة الشاذلى إلى غرب القناة اكتسب سمعة كبيرة فى صفوف الجيش المصرى كله، فتم تعيينه قائدا للقوات الخاصة (الصاعقة والمظلات) فى الفترة (1967 ــ 1969)، ثم قائدا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية (1970 ــ 1971).
المآذن العالية
فى 16 مايو 1971
المزيد