حركات العمال :
توطدت مراكز النقابات في البلاد المتحضرة حتى أصبحت تملي شروطها على أصحاب العمل . وأصحاب اتحادات العمال تحسب الدولة حسابها فيما تضع أو تدع من قوانين !
وهذا إن صح في بلاد أخرى لم تعرف حقيقة أحوالها فلامحل له في بلادنا .
إن العمال هنا - زراعيين وصناعيين – يسعون لأستكمال ضرورات الحياة أما هناك فيسعون لأستكمال زينتها وبصحبتها .
** وقد ألف العمال في الغرب أحزابا تولت الحكم , وأبدت في ادارته كفاية رائعة . أما في مصر وغيرها من شعوب الشرق فقد ألفت أحزابا هزيلة للعمال , وتولى رياستها نفر درجوا منذ نعومة أظفارهم على وضع أيديهم في قفازات الحرير !
فما لهؤلاء ومشاكل العمل وحقوق العُمال ؟؟.
وفي مصر كثيرا مايسلب الرجل حقه , فإذا أحدث بينه وبين خصمه جدال كان صوت السالب عنيفا قويا . وصوت المسلوب خفيضا محرجا .
ومن ثم تستباح حقوق وتغلق مصانع , أو تؤكل أجور , ويطرد فلاحون . ويولد الاحتجاج على ذلك ضعيفا ميتا , لأن العِزة بالإثم شائعة فينا .
إن الإعتزاز بالنفس قد يكون أمرا مفهوما ومقبولاً عندما يؤدي الرجل واجبه , ويفرغ ذمته , ويستوي سره وعلنه في الاخلاص لعمله , والقيام بحقه وحقوق الناس عنده .
أما التاجر الذي يغشك ثم تحمر عينه غضبا بدل أن يحمر وجهه خجلاَ اذا كشفت أمره .
وأما الموظف الذي يخونك ثم تنتفخ أوداجه كِبرا بدل أن يتوارى شخصه خزيا اذا فُضِح .
فهؤلاء جميعا معتزون بالإثم مستكبرون بالباطل وينبغي ألا تأخذنا هوادة في رغم أنوفهم وكسر نفوسهم .
العلاقات بين العُمال وأصحاب العمل من المنظور الاسلامي :
للصلات القائمة بين الناس جميعا حدود ينبغي أن نلتزمها , وأن تشرب قلوبنا احترامها , وأن نعلم الصغار والكبار الوقوف عندها .
هذه الحدود تدور حول مبدأ تبادل الواجبات والحقوق !
يؤدي المرء ماعليه من الواجبات ويأخذ ماله من حقوق ..
(( فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله وقال : إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني , ويعصونني , وأشتمهم وأضربهم , فكيف أنا منهم ؟
فقال له الرسول – صلوات الله عليه وسلامه : " إذا كان يوم القيامة يحسب ماخانوك وعصوك وكذبوك , وعقابك إياهم . فإن كان عقابك إياهم على قدر ذنوبهم كان كفافا لك ولاعليك .
وإذا كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك للفضل ! "
فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي , فقال له الرسول : " أما تقرأ قول الله عز وجّل : { ونَضَعُ الموازين القِسط َ ليوم القيامة فلاتُظلم نفسٌ شيئا وإن كان مثقال حبةٍ من خردل ٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين }
فقال الرجل : يارسول الله , ما أجد لي ولهؤلاء بُدا من مفارقتهم . أشهدك أنهم كلهم أحرار ))
[ رواه الترمذي وأحمد ابن حنبل ]
فليس العمال خدما قط لأحد من الناس بخصوصه , وإنما هم خدم لوظائفهم ومعايشهم وأمتهم وبلادهم , وفي هذا الميدان لاتخدش كرامة ولايلحق عار . بل أن أصحاب العمل يشاركونهم هذه الصفقة ويعملون معهم في هذا المضمار .
وقد شاء الإسلام أن يعطي حقوق العمال والخدم الأحرار وحتى الخدم الأرقاء العبيد فقد أراد الإسلام أن يمنحهم الحقوق حتى في ظل رقهم وعبوديتهم حتى يملكون حريتهم الكاملة .
وفي هذا يقول الرسول – صلوات الله عليه : (( للمملوك طعامه وشرابه وكسوته , ولايكلف إلا مايطيق . فإن كلفتموهم فأعينوهم . ولاتعذبوا عباد الله خلقا أمثالكم )) [ حديث حسن صحيح رواه ابن حبان عن أبي هريرة ]
ويقول كذلك : (( أكرموهم ككرامة أولادكم وأطعموهم مما تأكلون ))
[رواه ابن ماجة عن أبي بكر ]
ثم يرغب تيسير أشغاله وتخفيف أعبائه (( ماخففت عن خادمك من عمله كان أجرا لك في موازينك )) [ رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان ]
يقول الغزالي : لكن هذه التعاليم المثالية وكلت الى الذمم والضمائر وأبعدت عن سلطة الدولة وقوانينها . فما هي إلا سنين حتى تبخرت من الرؤوس وتسربت من المجتمع واقترن بهذا الرق من الأسى واللؤم ماحمل العالم على استئصال شأفته وقطع دابره .
وتم هذا العمل بعيدا عن رجال الدين فكان أرضى لرب الدين رب العالمين والعبرة المستفادة من هذا الدرس الفريد أن العلاقات بين العمال ورؤسائهم لايجوز أن تترك بعيدا عن هيمنة القانون الصارمة . بل لابد أن تخضع لرقابة الدولة وسلطتها , وعلى الدولة أن تجعل الصلة بين هؤلاء وأولئك صلة الزمالة بين رجال أحرار جمعتهم الحياة على عمل واحد .
حقوق العمال :
للعمال الزراعيين أو الصناعيين حقوق كثيرة تكافئ الواجبات المرتبطة بأعناقهم وقد وصلت بعض طوائف العمال إلى تقرير مرتبات سخية لها وبقيت الجمهرة الكبرى تعاني كآبة الحاضر وقلق المستقبل وتنتظر مايبت في أمرها , والطبقات العاملة على اختلاف أفرادها وتنوع مهنهم بحاجة إلى ضمانات مادية وأدبية عديدة ن













