عندما توفي المفكر عادل حسين رحمه الله في 15 آذار 2001م, كتب الدكتور جلال أمين عنه مقالاً بعنوان "هذا النبيل في ماركسيته وإسلامه" قال فيه: "إن القضية التي ملكت عليه نفسه, واستولت على كل اهتمامه, واستمرت محوراً لجهاده من البداية إلى النهاية, كانت هي قضية الاستقلال"[1]والحقيقة إن من يقرأ كتابات عادل حسين يلمس هذا بنفسه. ومفهوم الاستقلال الذي استحوذ على اهتمام عادل حسين لا يقتصر فقط على الاستقلال السياسي بل إنه عدّ الاستقلال الاقتصادي شرطاً أساسياً لتنمية اقتصادية حقيقة, وبرأيه فإن الاستقلال الحضاري ضابط وموجه لتطور مجتمعنا, وهو شرط مهم لإحداث تنمية اقتصادية اجتماعية مستقلة.ومن خلال تتبع آراء عادل حسين نجد أنه من الكتّاب التأصيليين, وهم أولئك المفكرون الذين كان همهم الأساس البحث في طرق النهضة وشروطها بعيداً عن التقليد والتبعية, وهو ينتمي لذلك التيار الذي أطلق عليه محمد شاويش اسم "التيار التأصيلي", الذي يبحث في نهضة الأمة من داخلها, من مقوماتها, وثرائها الحضاري والثقافي, ويؤمن بأن حضارتنا وثقافتنا حضارة تستحق البقاء.
وقد صنّف بعضهم عادل حسين ضمن تيار أطلقوا عليه اسم "التراثيون الجدد" وهو اسم يدل على أن من أطلقه لم يفهم تماماً جوهر الأفكار التي كان ومازال يدعو إليها هؤلاء, وهو وصف يحمل في طياته نقداً واتهاماً لهم بالتعلق بالماضي وكأنهم غير مدركين للتغيرات الكبيرة التي حدثت في مجتمعاتنا, أو كأنهم يدعون لتوقف عجلة التاريخ, وهذا كلام غير صحيح بتاتاً, والمتابع لأفكار عادل حسين وزملائه كالدكتور عبد الوهاب المسيري, والمستشار طارق البشري, والدكتور جلال أمين وغيرهم يعرف أنهم مفكرون تحرروا من عقدة الاستلاب للنموذج الفكري السائد والمسيطر, وانطلقوا يبحثون بحياد وعلمية حقيقية في أفكار ومسلمات سيطرت على التفكير العربي فترة طويلة, وكان من نتائجها المدمرة سيطرة أفكار خاطئة هددت قيمنا وحضارتنا ووجودنا الإنساني نفسه, مما أدى إلى توقف الإبداع العربي, وغرق الفكر العربي في دوامة التقليد والتبعية والاستلاب للغرب. لذلك فإن تسمية "التراثيون الجدد" لا تعبر بشكل حقيقي وواضح وصحيح عن توجه هؤلاء المفكرين, على عكس تسمية "التيار التأصيلي" والتي تعبر بصورة مقبولة عن هذا التيار الذي يبحث في المقولات السائدة في الثقافة والأيديولوجية العربية بنظرة نقدية تهدف إلى تحريك الفكر العربي المستقل لبناء نهضة حقيقية تنبع من ذاتنا وتكون معبّرة عن خصائصنا وهويتنا.
الاستقلال في فكر عادل حسين:
بدأت حياة عادل حسين سنة 1933م وهو نفس العام الذي ولدت فيه حركة "مصر الفتاة" التي أسسها أخوه الأكبر أحمد حسين, وهي حركة نادت بالاستقلال الوطني وكان لها جهاد كبير في سبيل تحقيق هذا الهدف. وقد تربى عادل حسين في "مصر الفتاة", وكبر فيها, وتأثّر بأفكارها. ومع انشغاله بهم النهضة تبنّى الاستقلال كشرط أساسي لأي تنمية صحيحة مرتقبة تكون أساساً لهذه النهضة. غير أن مفهوم الاستقلال الذي تبناه عادل حسين شهد تطوراً, أو بالأحرى "نمواً فكرياً وتبلوراً منطقياً" مترافقاً مع تطور وتشكل أفكار عادل حسين نفسها خلال مسيرة حياته, فمن المعروف أن عادل حسين عاش تحولات فكرية كبيرة, وهكذا لم يعد مفهوم الاستقلال عنده يقتصر على إخراج الجيوش الأجنبية وطردها من أرض الوطن, لكنه يتعدى ذلك إلى آفاق أوسع وأكثر تركيباً: فـ "إذا كان فرض السيطرة الغربية والصهيونية على مقدراتنا عملية مركبة, أسهم في إنتاجها ما هو أيديولوجي وما هو سياسي واقتصادي وعسكري, فكذلك حال النهضة ومدخلها استعادة الاستقلال, فالاستقلال عملية مركبة في الاتجاه المضاد, وكذلك الطريق إلى الاستقلال عملية مركبة تضم ما هو أيديولوجي وما هو سياسي وعسكري واقتصادي"[2]
وحتى نصل إلى فهم أفضل لمعنى الاستقلال الذي دعا إليه عادل حسين لابد أن نتوقف عند النقاط التالية:
1 ـ على مستوى النظرية:
يعتبر عادل حسين أن "الممارسة النظرية المستقلة تعبر عن عملية التقدم الحضاري الأصيل في أية منطقة وفي أي عصر(أي إنه يعبر عن هذا المفهوم العام وعند مستوى عال من التجريد)، أما عند مستوى أدنى من التجريد، وفي منطقتنا الإسلامية تحديدًا فإن المصطلح الدال عندنا على هذه العملية هو "الاجتهاد"."[3] وقد اجتهد عادل حسين من أجل إعطاء أساس لصياغة نظرية تنموية مستقلة, تراعي خصوصيتنا, وتنبع من تراثنا وحضارتنا.
وفي كتابه المهم "الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية" بحث عادل حسين مفهوم التبعية/ الاستقلال, بعد أن بيّن وجود "أزمة حادة في "النظريات العامة" الصادرة عن أهل "الشمال"؛ سواء في إطار النظرية الاجتماعية الاقتصادية كما صاغها ماركس، أم في إطار النظرة الاقتصادية كما سادت في جامعات الغرب الرأسمالي، وتتمثل الأزمة في عجز النظريات العامة المطروحة عن تقديم إجابات (وِفْق منطقها وبنائها) على الأسئلة المعاصرة، أو حتى عن تفسير ما تحقق خلال القرون والعقود السابقة، وترتب على ذلك أن سبقت السياسات الاقتصادية (الممارسات العملية) هذه النظريات وخرجت عن إطارها، ولم يستطع البحث النظري (حتى الآن) أن يستوعب هذه الممارسات العملية؛ ولذا فقدت النظرية دورها المفترض كموجه للسياسات"[4]. وبعد أن بيّن جوانب هذه الأزمة من خلال وقفة سريعة مع النظرية الماركسية والنظرية الغربية في الاقتصاد, عرض تصوره النظري لقضية التنمية, ووجد أن " التوصل إلى نموذج نظري للتنمية في الدول المسماة بالنامية لن يعتمد على مساعدة فعالة من إطار نظري أوسع، بل إن الاقتراب من صياغة نموذج للتنمية يتحقق حاليًّا بقدر الجرأة على تحدي إطار النظريات الأوسع"[5]. ووجد أن تراكم خبرة التجارب التنموية الفاشلة والناجحة في أرجاء الأرض يعطينا وضوحاً نظرياً أكبر نستطيع من خلاله صياغة نظريتنا الخاصة عن التنمية المستقلة.
وكان عادل حسين يدرك أن الممارسة النظرية المستقلة التي كان يدعو إليها هي ممارسة بالغة الصعوبة, بسبب الوضع الذي أوصلتنا إليه التبعية على مدى سنوات طويلة, لكنه كان يدعو إلى اقتحام هذا الميدان, لأهميته البالغة في تحقيق التنمية المستقلة المبتغاة, وكان يرى أن هذه الممارسة النظرية يجب أن ترتكز إلى مرتكزات أساسية, لخصها بما يلي[6]:
أ ـ الإقرار بحقيقة المفهوم المحوري في العقيدة السائدة، وهي عقيدة الحضارة الإسلامية، هذا المفهومُ المحوري يقوم على الإيمان بالله الواحد الخالق. وقد تبلور هذا المحور في منطقتنا في الدين الإسلامي تحديدًا، حيث تفاعل الإسلامُ مع المسيحية عبْر وسائل كثيرة، على رأسها اللغة؛ فساد تصور عقَدي متقارب، وانعكس ذلك في أنماط متشابهة من السلوك الفردي والجمعي.
ب ـ إن هذا المحدّد العقَديّ لفكرنا الاجتماعي، ولممارستنا النظرية في هذا المجال، تفاعَل مع بيئته تاريخيًّا؛ فنشأت تقاليد وأوضاع مؤسسية نتيجة هذا التفاعُل. وأي تركيب نظري تستهدفه (المدارس الاجتماعية المستقلة) يستمد صياغته النهائيَّة، ويستمد مشروعية الإرشاد للمستقبل من استيعابه لمنطق هذا التفاعل، وما أدَّى إليه؛ كي يكون التجدد الذاتي وفْق المنطق الأصيل للاستمرارية التاريخيَّة.
ج ـ يجب فرز محتويات الترسانة الفكرية الغربية، وعزل ما هو خاص (غربي) عمَّا يصلح لأن يكون عامًا (عالميًا). كذلك يتطلب الأمر فحصًا للمفاهيم، وكشف علاقاتها الصريحة والضمنية مع عقيدتهم السائدة، وبالتالي مدَى اتساق ذلك مع مفاهيم عقيدتنا السائدة.
د ـ هناك تجارب إنسانية لممارسة نظرية مستقلة استخدمت بعض المكونات الواردة في الفكر الغربي بتطويعها وتطويع شروط عملها وفقًا لظروف البلد، وقد أُضيف إليها، ثم أُنشئ من ذلك كله نسقًا نظريًّا مُحكماً. وكان هذا ما فعله ماوتسي تونغ في الصين, وقد عدّ عادل حسين كتابات ماوتسي تونغ في هذا المجال "أعمق دراسة اجتماعية حديثة من منظور غير غربي", وهي درس عظيم يجب أن نستفيد منه في عملنا الهادف إلى صياغة نظرية مستقلة تعبر عنا وعن حاجاتنا, دون أن نخدع أنفسنا فنستخدم المصطلحات الغربية نفسها، مع تغيير في المصطلحات الدالة عليها، أو نحاول إثبات أن هذه المفاهيم لها أصل في تراثنا لأن هذا المنهج سيؤدِّي إلى العودة لاستخدام ذات الأنساق الغربية الكلية، حتى وإن غيرنا أسماءها, مما يعرضنا لخطر إضافة مفاهيم خاصة بنا إلى المفاهيم والأنساق الغربية, ناسين أن هذه المفاهيم "تتولد عنها في الأنساق الفكرية الغربية مفاهيمُ فرعية في كل مناحي المعرفة الاجتماعية، تتعارض تماما مع المفاهيم الفرعية المتولدة عن المتغيرات التي أدخلناها، و(خاصة الإيمان بالله تعالى)، وحصاد مثل هذه المحاولة التلفيقية يفتقد أي قدر من الاتساق الواقعي والمنطقي، ويفتقد بالتالي مشروعية الادَّعاء بإقامة بناء نظري فعّال"[7].
وقد عرض عادل حسين لستة مبادئ أساسية هي في الحقيقة سياسات تتطلبها التنمية طويلة الأجل, وهي "تحظى بانتشار كبير وتقبل واسع…..:
أ ـ في العلاقات الدولية هناك مبدأ المواجهة بشكل ما لحقيقة أن العلاقات غير مواتية مع الدول الصناعية، ويسبب التناقض الفعلي في المصالح بين الشمال والجنوب.
ب ـ وفي العلاقات الداخلية هناك مبادئ الاعتماد على النفس بشكل أساسي.
ج ـ التنمية عملية مركبة.
د ـ لا بد من قفزة كبيرة وجريئة.
هـ ـ الدور المحوري للدولة والتخطيط.
و ـ قضية عدالة توزيع الناتج"[8].
وفي ختام عرضه السريع لهذه المبادئ بيّن عادل حسين أنها مبادئ لا تُعد مبادئ نهائية أو تحظى بالإجماع, لكنه يعتقد "أن اللقاء حول المبادئ السابقة كان إنجازًا علميًّا يساعد في ضبط الحوار، بحيث تبحث الخلافات والبدائل داخل إطار ما، حتى ولو بدا فضفاضًا"[9].
كان عادل حسين يرى أن التذكير ببعض هذه الضوابط النظرية كان أمراً هاماً, وخصوصاً بعد أن وصلنا لمرحلة صار فيها "التحذير من الضغوط الخارجية المحتملة، ومن مخاطر التعامل بغير حرص سياسي واقتصادي مع الشركات العابرة للجنسية، أصبح محلاً للاستنكار وللاتهامات التي تنتهي عادة بالإلحاد. ولا يلمس في كتابات الاقتصاديين الرسميين، أو في منطق سياستنا الاقتصادية؛ أي وعي بحقيقة التحديات التي نواجهها من موقعنا كدولة "نامية"، تختلف ظروفها (وتتعارض كثيرًا) مع ظروف ومصالح أهل الشمال، وأصبح استهداف الاعتماد بشكل أساسي على تمويل خططنا من الخارج تقليدًا يدافع عنه بسذاجة مدهشة، ومفهوم التنمية والتخطيط لا زال بعيدًا تمامًا عن بحث التغيرات الاجتماعية والمؤسسية المطلوبة، وبدا أن مفهومنا للتنمية لا زال هو مفهوم النمو الاقتصادي المعتمد على حجم الاستثمارات، وعبر الأموال الوافدة من الخارج بالذات، وبدا أننا لم نسمع بعد عن مبدأ عدالة التوزيع"[10]
إن اهتمام عادل حسين بالعمل على تشكيل نظرية مستقلة للتنمية نابع من إدراكه العميق للآثار الكارثية للعولمة, والتي تقوم على مبدأ الاستغلال والأنانية والسيطرة وتدمير البيئة واستنزافها, وهو ينبع من إدراكه للاختلافات الثقافية والفروق والمنطلقات الفكرية بين الحضارات والثقافات, هذه الفروق التي مازال لا يدركها كثير من المثقفين الذين وقعوا في فخ "الإنسانوية الزائفة"[11] التي لا تعترف بالفروق بين الثقافات وتصادر أن هناك ثقافة واحدة هي الثقافة المتقدمة والصحيحة (وهي اليوم الثقافة الغربية المسيطرة), فإيمان عادل حسين بأن حضارتنا هي "الأرقى والأفضل إذا قورنت بالحضارة الغربية المعاصرة التي تقوم على الفلسفة المادية وعلى الاستعلاء العنصري بكل ما تفرع عن ذلك من نظم اقتصادية واجتماعية وثقافية فاسدة"[12] جعله يسعى جاهداً لتطوير نموذج حضاري إسلامي إنساني أرقى وأفضل ليحل محل مجتمع الانحلال والضياع.
2 ـ مفهوم الاستقلال الاقتصادي:
يميز عادل حسين بين نموذجين للتنمية:
أ ـ التنمية بالانتشار: هذا النموذج الذي يتعامل مع حالة الدولة "النامية" على أنها "حالة دولة تخلفت عن الركب"، وبالتالي فهي قابلة للتحديث بالصورة التي حدثت في الدول الغربية, حيث سيتم تجاور قطاع رأسمالي مع قطاع تقليدي, والمتوقع أن ينتشر القطاع الحديث حتى يسود كما حدث في الغرب.
ب ـ التنمية المستقلة: ويتعامل هذا النموذج مع حالة الدولة "النامية"، لا كمجرد حالة تخلف زمني، ولكن كحالة مركبة أورثها للدولة "النامية"[13] الاستعمار الأجنبي, وعلى هذا وحسب تعبير عادل حسين فالدول "النامية ليست طفلاً, لكنها قزم مشوه"[14] فاستنزاف موارد الدول النامية مازال مستمراً, وأنماط التنمية مرتبطة ومشروطة بمخططات وقرارات ومصالح الدول المسيطرة, مما يرسخ التبعية ويعوّق التنمية المستقلة.
وعلى هذا فإن عادل حسين يؤمن بأن "التنمية الجادة المستقلة لا بد أن تبدأ بكسر حلقة التبعية، وتتواصل بقرارات مستقلة تحقق تنمية متمحورة حول ذاتها، وتتجه إلى سوقها الداخلي في الأساس"[15].
وقد بيّن عادل حسين أن التجارة الدولية وحركة رؤوس الأموال كالاستثمارات الأجنبية والديون الخارجية والمساعدات الأخرى لم تكن في مصلحة الدول النامية, بل كانت تساهم في ترسيخ التبعية وإعاقة التنمية المستقلة. وعلى الرغم من ذلك فإن الدول النامية تتكالب للحصول على هذه المساعدات والمعونات, فالوسائل التي تستخدمها الدول الصناعية في فرض سيطرتها كثيرة ومتعددة حتى يبدو أن استنزاف موارد الدول النامية وسيطرة الدول الصناعية عليها والمشكلات الكبيرة الناتجة عن تلك السياسات الاقتصادية كأنها قدر مكتوب, فيأتي تدخل هذه الدول من خلال المساعدات كأنه هو الحل, مع أنه هو المشكلة والمسبب في حدوثها, وفوق ذلك فإن الدول الصناعية تستخدم كل أدوات القوة السياسية والاقتصادية التي تمتلكها، ولا تتردد في التدخل بالقوة المسلحة كحل أخير إذا لم تفد الأدوات الأخرى[16].
لقد أدت سياسات الدول المسيطرة إلى أصبحت أنماط الإنتاج في الدول النامية خاضعة لما تقرره هذه الدول, وصار ما تنتجه الدول النامية لا يخضع لاختياراتها ولا لاحتياجاتها الحقيقية, حيث هناك منتجات تتضخم بدون حاجة وأخرى تتراجع, مما جعل بناءها الاقتصادي مشوهاً وعاجزاً وتابعاً, يلهث لتحقيق متطلبات الأسواق الخارجية رغم شروطها المجحفة[17]. لذلك فقد دعا عادل حسين إلى عمل مراجعة حقيقية لأنماط الإنتاج في الدول النامية, لتقوم بتوجيه "التنمية الاقتصادية بحيث تؤدى إلى تنويع هيكل الموارد فيصبح اقتصادنا قادراً على إمدادنا بالقسم الأهم من حاجاتنا المعيشة, والحاجات المعيشة تتحدد في المقام الأول بحاجات الغالبية العظمى من أبناء أمتنا أي بالضرورات قبل الكماليات ويعرف هذا التوجيه بإستراتيجية إشباع الحاجات الأساسية التي تضمن عدالة التوزيع بدءاً من تحديدها لنوع الإنتاج المستهدف. وإذا كانت هذه الاستراتيجية تضمن الاستقلال من حيث إنها تحقق الاعتماد على النفس في إنتاج ما نحتاجه فإنها تضمن الاستقلال أيضا من حيث أنها ستتجه بإنتاجها للسوق المحلى قبل أن تتوجه للخارج وهى ستكون أقل حاجة إلى التكنولوجيا المعقدة التي لا نفهمها ونضطر في أحيان كثيرة أن نستوردها كما هي (بتسليم المفتاح كما يقولون) وكل هذا مما يدعم اتجاهنا لتحقيق الاستقلال الاقتصادي"[18].
إن إشباع الحاجات الأساسية يتطلب اعتماد "نمط استهلاك ملائم". حيث يتم التوجه نحو إشباع هذه الحاجات كما يشكلها النمط الحضاري المميز للدولة, وبكل ما يترتب على ذلك من استغلال تكنولوجي واستغلال في هيكل الإنتاج.[19] وهذا النمط الاستهلاكي الملائم يجب أن يتطور وفق معاييره الذاتية لا وفق نمط استهلاكي سائد نشرته في العالم الشركات الأجنبية العملاقة, وهو نمط لا يعتمد على إعادة توزيع الدخل بل يعتمد بشكل أساسي على تلبية الحاجات الأساسية التي تحقق إنسانية الإنسان حتى وإن أدى هذا النمط إلى أسلوب مختلف عن أسلوب الحياة في المجتمعات الغربية, لأن التقدم الاقتصادي ليس هو اللحاق بالغرب, وإنما هو القدرة على تحديد نمط استهلاك ملائم بمعاييرنا المستقلة, وبالتالي القدرة على تحديد مضمون النمو الاقتصادي[20], فإذا كان متوسط دخل الفرد في الدول الغربية هو المعيار الرئيس لقوة الاقتصاد ونموه, فإن هذا المعيار لا يعدّ معياراً رئيساً للتقدم والتخلف عندنا فالمعيار الحقيقي هو الاستقلال أو التبعية, فبقدر ما نكون قادرين على استقلال نم













