الاربعاء 26 محرم 1433 هـ - 21 ديسمبر 2011م
جريدة الحرية والعدالة
(1)
إن مسألة الثورة هي مسألة السلطة , الثورة تقوم وهدفها الاساسي تغيير السلطة السياسية , لأقصاء الجماعة الحاكمة , ولوضع نظام سياسي جديد , ولأنشاء مؤسسة حكم تتناسب أوضاعها مع علاقات القوى السياسية والاجتماعية التي أسفرت عنها الثورة , وتكوين مؤسسة مؤهلة لأدارة المجتمع ؛ وفقا لمكونات القوى السياسية والاجتماعية ولتوازناتها التي أسفرت عنها العملية الثورية .
والسلطة مؤسسة نظامية وتشكيل تنظيمي , فلاتنحسم مسألة انتقالها من القوى النظامية السابقة الى قوى سياسية جديدة إلا بتشكيل نظامي ومؤسسي .
إن السلطة مثلها مثل الآلة الميكانكية لايسيطر عليها ويحركها إلا آلة ميكانيكية محركة , تكون قادرة على تجميع أنصارها ومنظميهم , وتكوين ارادة سياسية محددة لهم , وتكون قادرة على تحريكهم وفق هذه الارادة السياسية .. إن أي تشكيل مؤسسي لايسيطر عليه إلا تشكيل مؤسسي أيضا .
أما الحركة العشوائية أو التلقائية فهي لاتنشئ إرادة , ولاتصدر قرارا , ولاتستطيع الانتظام في عمل ينتج أثرا نظاميا محددا ومعينا . إن الحركة التلقائية قد تساند قوى نظامية سياسية في فترات مد ثوري وتعطيها قدرات أكبر , ولكنها وحدها ككوم الحجارة تحتاج الى (( سقالات )) للتراص بالجهد البشري المنظم وتشيد مبنى , ويتعين أن ندرك أنه لابد من تناسب بين القدرة التنظيمية وبين حجم التجمع التلقائي الذي يحيط بها , فإن كان التجمع التلقائي أكبر من قدرتها على التحريك المنظم الواعي لأهداف محددة فسيكون هذا التجمع عبئا على القدرة التنظيمية ؛ لأنه ممكن أن يتأثر ويندفع بنوازع غير محسوبة ولا مقدّرة , فيعوق الحركة المنظمة الواعية الرشيدة , أو يصرفها عن هدفها , أو يعرقل سعيها خضوعا لأعتبارات آنية تلقائية , ويحدث ذلك أيضا عندما تكون القدرات التنظيمية متعددة وغير متعاونة , أو تكون متضاربة , كما يحدث ذلك ايضا عندما تندّس في هذا التجمع التلقائي عناصر تعمل بشكل واع ٍ لأفساد ما يراد من حراك ثوري طيب .
(2)
أقول ذلك لأننا نشهد أدوارا كهذه في هذه الأيام , ولنا أن نقارن ( من الناحية التنظيمية البحتة ) بين الحركة الجماهيرية التي جرت يوم 18 نوفمبر وبين الحركات التي جرت أيام 19 الى 24 نوفمبر , وأنا لا أتكلم هنا عن الأهداف ولا عن برامج بعينها , ولا أقارن بين مضمون تيارات سياسية , ولكني أقارن بين نوعية الحراك ذاته , هل هذا حراك منظم أو حراك تلقائي . وأحاول أن أوضح أثر القدرة التنظيمية والسيطرة التنظيمية على مجريات الأمور والنتاج والنتائج .
حركة 18 نوفمبر كانت نظامية ذات هدف محدد وهو اسقاط وثيقة المبادئ الدستورية والتي كان طرحها نائب رئيس الوزراء , وكانت هذه الحركة نظامية ومحاطة بتأييد شعبي كثيف , وكانت القوى التنظيمية بها ذات هيمنة وفاعلية نظامية مكتسبة من السيطرة على الحراك الشعبي الواسع في تجمعه وفي انهائه , وفي الالتزام بالهدف منه , وأخبرت الكافة مع انتهاء اليوم بأن الوثيقة المطلوب اسقاطها قد سقطت . ولم يسقط فيه مصاب واحد .
أما الحركة الثانية التي بدأت في 19 نوفمبر واستمرت نحو خمسة أيام , فقد شملت قوى منظمة من أحزاب وتنظيمات وائتلافات ناشئة , ولم يكن أي من هذه التنظيمات ذا سيطرة على الحركة , ولا كانت كلها على قدر من التوافق الحركي والسياسي يمكنها مجتمعة من هذه السيطرة ؛ لذلك كاد يغيب عنها الهدف السياسي الذي يسهم في اكمال أهداف ثورة 25 يناير .
وبدا ما يجمع الناس اكثر هو عنف السلطة في التعامل والاحتجاج على هذا العنف , وتولدت لها من القرارات والنداءات المتعددة ما يظهر أنها ليست على تجمع واحد , وبدا من الحركة التلقائية افتقادها للهدف السوي , مثل ما كان من حرص بعض المتظاهرين على الاصرار على بلوغ مبنى وزارة الداخلية لألحاق الاضرار به , وهو ليس هنا سياسيا واعيا , ( إن أعنف الثورات في القرن العشرين وأكثرها تطرفا قامت في روسيا سنة 1917 واقتلعت نظاما سياسيا واجتماعيا , وأبقت على مبنى الكرملين الذي كان يمثل قصر الحكم هناك , فما حاجة الثورة لبغضها لوزارة الداخلية أن تفقد مصر ملفات هذه الوزارة ؟! ) , وهذا لايدل على التلقائية فقط , ولكن يكشف عن فكر كان يريد ليس تعديل نظام الحكم في مصر , ولكن تفكيك الدولة المصرية وإفقادها وجودها المعنوي والمؤسسي . كل هذه الأفعال كان يقصد بها انفلات السلطة وتفكيك المجتمع . كما عرفت هذه الحركة اقتراحات بتعيين أسماء تتولى الحكم في مصر . بغير أي دلالة تشير الى وجود تنظيمي فعال يسيطر ويضع هذه المطالب , فصارت الحركة التلقائية هي ما يهيمن على التنظيمات غير الفعالة المشتركة بها والمندرجة في اطارها .
نحن نريد للقوى الديمقراطية أن تسيطر على الدولة لا أن تفككها أو تضعفها , لأن التفكيك والاضعاف فيهما – لاقدر الله – دمار للبنية الاجتماعية الوطنية كلها . إن مصر لاتستطيع أن تحي













